بقلم: سارة بحارة

جلست كعادتي في شرفة البيت.. أستنشق عبق الربيع.. رائحة أشجار الليمون تلوح في الأفق.. أرشف قهوتي الساخنة.. أجتر مشاوير اليوم الطويل ومتاعبه، وأرتب مواعيد الغد الكثيرة.. لازلت غارقة في بحر الدنيا بهمومها التي تثقل كاهل الجبال.. أيقظني صوت جارتي تناديني من الشرفة المقابلة.. ملقية السلام بابتسامتها المشرقة التي تخرجك من عالم الشقاء والضوضاء، لتأخذك إلى عوالم الحب والصفاء.

جارتي ثلاثينية العمر، معروفة بين الأقارب والجارات بالمرح والحيوية، لا يكاد يخلو بيتها من الضيوف والزوار، امرأة عاملة مجدة مكافحة، لا تسمع لها صراخا ولا أنينا.. لا أذكر يوما أنها تأففت من الدنيا ومشاقها ونصبها..

صحوت من غفوة اليقظة على تحيتها الطيبة.. نسيت مواعيد الغد وتعب اليوم.. وسرحت إلى عالم آخر أطرح فيه سؤالا واحدا ووحيدا: “كيف تجعل جارتي حياتها سعيدة؟”.

استجمعت قواي المنهارة بالتعب، لبست عباءتي وشددت الرحال إلى بيت جارتي، لا بنية السؤال ومعرفة الحال، ولكن بنية التقصي وإيجاد جواب يشفي غليلي..

في طريقي إليها عصفت بذاكرتي نسمات من الماضي السحيق.. أثارت رمادا كان ساكنا بين ثنايا النسيان.. تذكرت صغري بين أحضان أمي.. نفس الابتسامة، نفس الهدوء، نفس الحيوية، ونفس النشاط..

 كنت أتمنى أن أشبه أمي يوما في صبرها وجلدها رغم المشاق والعناء.. عشت طفولتي كاملة دون نقصان.. كانت أمي تتحمل الصدمات واحدة تلو الأخرى عوضا عني.. لم تقحمني يوما في مشاكل الأسرة.. و لم أحس يوما أن أبي رجل  ناقص: أمي تكمله، أبي رجل شهم: أمي من تقويه، أبي رجل صابر: أمي من تسانده. أمي ولا كل النساء.. أمي فوق كل النساء.. شجرة شامخة تلحف بظلالها كل الأسرة من لهيب الحياة الحارق..  ويا ليتني أشبهها.

عدت من الزمن الجميل على نبرات صوت جارتي مرحبة بي، دخلت شاردة الذهن، متثاقلة الخطى.. هل ما أقدم عليه هو الصواب؟ لكن فضولي لم يكبحني لأواصل الخطى.. دخلت لأجد بيتها البسيط يشع نورا وجمالا.. جلست أرمق أركانه ركنا ركنا.. أبحث بعيناي عن سر الدفء المكنون في أرجاء المنزل.. بيتها كمروج خضراء.. تنبت بينها زهور صفراء وحمراء.. يلاعبها نسيم عليل يجعلني أركض وأركض كطفلة، فأرمي جسدي مستلقية على ظهري لأنظر إلى السماء وأشاهد السحب البيضاء بياض الثلج.. وأغمض عيني على سحر ذكريات الطفولة التي أغادرها كسرب حمام مهاجر يبحث عن الدفء، ثم تراني أعود إليها كطفل صغير يحبو بشوق لحضن أمه..

طالع أيضا  الأدب جمال

عدت لأستفيق من إطلالتي على… تتمة المقال على موقع مومنات نت.