قال مولانا عز وجل في سورة الذاريات:

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23).

إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)

قال القشيري رحمه الله تعالى: “في عاجلهم في جنّات وصلهم وفي آجلهم في جنّات فضلهم. فغدا درجات ونجاة، واليوم قربات ومناجاة.”

آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16)

آخذين: ويُتوهم أنهم يأخذونه انتزاعا وإرادة منهم أن يأخذوا، وأنه متاح ليأخذه كلّ أحد. ووالله ما يأخذون إلا ما آتاهم، وما هو أعطاهم… فضلا منه ونعمة، وكرما منه ومنّة.                                                                     آخذين: قابلين، راضين… كقوله تعالى: ويأخذ الصدقات أي يقبلها.

وهل يعطيهم سبحانه إلا ما يرضيهم…؟ وهل يمنحهم الملك إلا ما يبهرهم…؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ

 فإن تحدثنا عن جنات الوصل والأنس، فإنهم كانوا قبل وصولهم إلى هذا الحال محسنين، وإن تحدثنا عن جنات الآخرة فمعنى ذلك أنهم كانوا في دار الدنيا محسنين.

محسنين بكل معاني الإحسان الثلاثة، التي جاءت بها الأحاديث والآيات. محسنين في معاملة الخالق ومعاملة الخلائق…

محسنين: بمعنى “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”

محسنين: بما هو بر بخلق الله كلهم مسلمهم وكافرهم، إنسهم وحيوانهم وجمادهم

محسنين: بما هو إتقان لأعمالهم التعبدية والدنيوية وغيرها…

وكأنه سبحانه عز وجلّ يقول لنا إنهم عملوا وإني رأيت عملهم وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. أحسنوا واستحقوا مني إحسانا للذين أحسنوا الحسنى.

ثم يذكر لنا تفصيل هذا الإحسان:

كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)

اختار قوم الوقف على قوله: «قليلاً» على معنى: كانوا من الناس قليلاً، كقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ثم ابتدأ فقال: من الليل ما يهجعون على معنى نفي النوم عنهم البتَّة. وهذا الوقف على قليلا “وقف الهبطي” اعترض عليه سيدي ابن عجيبة في “البحر المديد” فقال: “ولأن المحسنين وهم السابقون كانوا كثيراً في الصدر الأول، وموجودون في كل زمان ومكان، فلا معنى لقلتهم، خلافاً لوقف الهبطي، وأيضاً: فمدحهم بإحياء الليل كله مخالف لحالته صلّى الله عليه وسلم، وما كان يأمر به.”                                                                                                      واختار الباقون عدم الوقف عند “قليلا” فتكون الجملة هي كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، ويكون المعنى أنهم لا ينامون من الليل إلا قليلا. فتكون «ما» زائدة. والمعنى أنهم لا يهجعون بالليل إلا قليلا، ولا ينامون إلا غلبة. ويبيتون لربهم سجدا وقياما… فتارة يذكرون، وتارة يهللون، وتارة يسبحون، وتارة يدعون، وتارة على الحبيب المصطفى يصلّون. فإذا ما جاء وقت السحر لجأوا إلى الاستغفار.

طالع أيضا  بورتريه: أهل القرآن.. الحافظ عبد السلام بن شقرون

وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ:

إنهم يغتنمون الفرص ولا يضيعونها. لما بلغهم الخبر الأكيد من حبيبهم عليه الصلاة والسلام، أن ربّهم يوزع العطايا ويمنح الهدايا في الثلث الأخير، قاموا بالليل والناس نيام: “يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟ ” البخاري.

قال القشيري رحمه الله تعالى: “أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودعائهم- ينزلون أنفسهم في الأسحار منزلة العاصين، فيستغفرون استصغارا لقدرهم، واستحقارا لفعلهم. والليل للأحباب في أنس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسّهر لهم في لياليهم دائما إمّا لفرط أسف أو لشدّة لهف”.

والمعنى أنهم مع هذا الاجتهاد الدائم والحال الملازم، يعُدّون أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا. وأنى لهم وسيد الخلق يقول: «لا أحصي ثناء عليك». فوا أسفاه على من لو فعل هذا ليلة أعجب بنفسه ورأى أن لا أحد أفضل منه.

لله درّهم نظروا ما له سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة التي لا تحصى فعلموا أنه أهل لأن يطاع ويخشى فاجتهدوا وتركوا الهجوع، وأجروا الدموع، ثم قابلوا ذلك بنعمه فإذا الأعمال في غاية التقصير فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه لا يمكن أن يقدر حق قدره.

ولا شكّ أن هؤلاء المحسنين الذين صفت قلوبهم وطهرت آنيتهم وجلت مرآتهم، والذين استرخصوا أموالهم في سبيل الله وأنفقوا منها على عيال الله، لن يستكثروا الاستغفار لإخوانهم والدعاء لأحبابهم، بل وطلب الهداية لأعدائهم. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10) سورة الحشر.

طالع أيضا  "آيات ومعاني" تسمو بالمُشاهد في أسرار "الكلمة الطيبة"

و لابن الجوزي في “المنتخب” كلام من ذهب: “يا أخي، علامةُ المَحَبَّةِ طلبُ الخَلْوَةِ بالحبيبِ، وبيداءُ اللَّيل/ فلواتُ الخلوات، لَمَّا ستروا قيامَ الليل في ظلام الدُّجَى غَيْرَةً أَنْ يَطَّلِعَ الغيرُ عليهم- سترهم سبحانه بسترٍ-، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17]، لَمَّا صَفَتْ خلواتُ الدُّجَى، ونادى أذان الوصال: أقم فلانا، وأنم فلانا- خرجت بالأسماء الجرائد وفاز الأحبابُ بالفوائد، وأنت غافل راقد. آهِ لو كنتَ معهم! أسفاً لك! لو رأيتهم لأبصرتَ طلائِعَ الصِّدِّيقِينَ في أول القوم، وشاهدتَ سَاقَةَ المستغفرين في الرَّكْبِ، وسَمِعْتَ استغاثة المُحِبِّينَ في وسط الليل، لو رأيتهم يا غافل، وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوات، فأسكَرَتْ قَلْبَ الواجدِ، ورقمت في مصاحف الوجنات. تعرفهم بسيماهم. يا طويلَ النوم، فاتتك مِدْحَةُ تَتَجافى جنوبهم عن المضاجع [السجدة: 16]، وَحُرِمْتَ مِنْحَةَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأسحار [آل عمران: 17]. يا هذا، إنَّ للَّه تعالى ريحاً تُسَمَّى الصَّبِيحَةَ مخزونةً تحتَ العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الدعاء والأنين والاستغفار إلى حضرة العزيز الجَبَّارِ.”

وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ

قال القشيري رحمه الله تعالى: السائل هو المتكفّف، والمحروم هو المتعفّف- ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال..

وقال الإمام برهان الدين البقاعي في نظم الدرر في تناسب السور: ولما ذكر معاملتهم للخالق، أتبعه المعاملة للخلائق تكميلاً لحقيقة الإحسان فقال: {وفي أموالهم} أي كل أصنافها {حق} أي نصيب ثابت.                                                 

 يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال: “فهي صورة التطلع إلى الله، والتجرد له، والقيام في عبادته بالليل، والتوجه إليه في الأسحار. مع إرخاص المال، والتخلص من ضغطه، وجعل نصيب السائل والمحروم حقا فيه.”

وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22)

قال القشيري رحمه الله تعالى: “كما أنّ الأرض تحمل كلّ شيء فكذلك العارف يتحمّل كلّ أحد. ومن استثقل أحدا أو تبرّم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخلق بعين التفرقة- وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة. ومن الآيات التي في الأرض أنها يلقى عليها كلّ قذارة وقمامة- ومع ذلك تنبت كلّ زهر ونور.. كذلك العارف يتشرب كلّ ما يسقى من الجفاء، ولا يترشح إلّا بكل خلق علىّ وشيمة زكيّة”.

طالع أيضا  أهل القرآن | نماذج من تأثير القرآن بين الصحابة وكفار قريش

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ:

 أي وفي أنفسكم أيضا آيات، فمنها وقاحتها في همتها، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاويها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أنّ ذرّة أو أقلّ منها بها أو منها.

وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ:

 أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموكّلون بالأرزاق ينزلون من السماء. وهي لفتة إلى آيات الله في الأرض وفي الأنفس، لفتة إلى عبادة التفكر في آيات الله التي تملأ المعمور، لفتة إلى عمل العقل الذي لا ينبغي أن يعطل أو يصاب بالضمور، فنبقى خارج التاريخ وآخر الصف. ويسبقنا الآخر إلى العلوم الكونية يصنع ويخترع ويغلب بالسيف ويقسم بالحيف. فعلى أولئك القوامين بالليل المستغفرين بالأسحار المتصدقين بما رزقهم الله أن لا يتخلفوا عن ركب العلوم الكونية، التي أباح الله لهم كسب مفاتيحها وخدمة البشرية جمعاء بما تتيحه من خير للناس، دون أن ينسوا السماء في شأن الرزق المكتوب والحظ المقدور.