تحدث الأستاذ عز الدين ناصح في برنامج “تذكرة الجمعة” الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية عن “بشائر النصر الموعود المرتقب من القرآن والسنة”، منطلقا من تساؤل قد يسأله سائل، عن النصر في زمن لا يُرى فيه على طول البلاد الإسلامية وعرضها إلا ما يسوء ويحزن من الجرائم والفظائع، تصب على المسلمين من كل صوب وحدب، ولا يُرى إلا الفقر والجهل والهوان والذل والشعوب المغلوبة على أمرها، وديعة المخدرات تساق كالقطيع لا تحرك ساكنا، عالة على غيرها من الأمم، تتسكع على فتات موائدها وتنتظر مننا وعطاياها، فكيف يمكن الخروج من هذه الوحدة والنهوض من هذه الورطة والالتحاق بركب التقدم والنصر والتمكين؟

يقر المتحدث بما ذهب إليه السائل من الصورة القاتمة لواقع المسلمين بضعفهم وهوانهم، وهو حقيقة جلية لا غبار عليها، غير يستدرك بأن “لهذه الحالة المزرية والواقع المدلهم أسباب أساسية نقرؤها في كتاب الله عز وجل وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم حيث يقول عليه الصلاة والسلام لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بعروة تلها وأولها نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”.

 ووقف ناصح على هذا الحديث الذي يخبر الأمة أن عرى الإسلام أي أركانه ومعاقل القوة فيه؛ “ستعطل وتهدم واحده تلو الأخرى، وبداية الهدم ومنطلقه نقض الحكم وهد أصوله وقواعده باغتيال الشورى والعدل، الذين أمر بهم القرآن وحلول الطغيان والاستبداد مقامهما بدا انتقاد الحكم بعد 30 سنه فقط من وفاه الرسول صل الله عليه وسلم بدا معا انقلاب بني اميه الباغي الذي حول الخلافة ملكا عاضا وراثيا”.

واعتبر المتحدث ذلك بداية الضربة القاصمة لمشروع العدل والشورى الإسلامية، كما اعتبره “رأس البلاء ورأس العلل التي لا تزال الأمة تعاني من تبعاتها وتكتوي بنارها إلى يومنا”.

طالع أيضا  تذكرة الجمعة.. د. حساني: إخراج الزكاة مرتبط بالنِصَاب "لكن الصدقة يخرجها من يملك الكثير أو القليل"

وذهب إلى أن هذا الغثاء هو ما يطفح ويتفرق من النبات اليابس ويضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به، والأمة اليوم غثاء أي لا قيمة لها ولا أثر لها بين الأمم، تتخبط في ذيل قائمة الأمم وتتسكع على موائدها، وتستنجد هباتها، وغذت بذلك فريسة هنيئة تنهش جسدها أمم الاستكبار وتتوزع خيراتها.

وقد نتج عن هذا الوهن أمراض وصفها رسول الله صل الله عليه وسلم بداء الأمم حيث قال صلى الله عليه وسلم: “سيصيب أمتي داء الأمم”، قالوا يا رسول الله وما داء الأمم قال: “الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي”.

ثم علق صاحب التذكرة على هذا الحديث قائلا: “فهي أسباب ثلاثة رئيسية إذا لتمرغ الأمة في وحل الجهل والذل والوهن، نقد الحكم والغثائية المهينة والبغي المتسلط، وتتفرع عن هذه الأسباب أمراض وأوبئة فتاكة مهلكة كالبعد عن الدين ودمار الأخلاق وانحطاط الهمم”. فهل يمكن للأمه أن تنهض من كبوتها وتنفض أوحال الجهل والتخلف عنها، وتشرق رسالتها على العالم مرة أخرى تحقيقا لموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتحقيقا للعدل والشورى والسعادة لبني البشر؟ يتساءل المتحدث.

وأشار إلى أن طلوع الفجر بعد أشد الأوقات ظلمة وحلول الفرج حين تشتد الكربات؛ سنة الله عز وجل ماضية في خلقه إلى يوم القيامة. والله تعالى يمنى بالنصر والتمكين حين يبلغ اليأس من المؤمنين مبلغا لقوله تعالى: “حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين”.

وتابع قائلا: “فإن كان للباطل جولة فللحق صولات، والعدل أساسٌ في هذا الكون وأصلٌ في بناء السماوات والأرض”، ثم يضيف: “ومن الحق أن تزول غشاوة الظلم وتنقشع غمة الاستكبار وتملأ الأرض قسطا وعدلا، ومبشرات ذلك في القرآن كثيرا نذكر منها قوله سبحانه وعز وجل: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لا يستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا فمن كفر بعد ذلك فأؤلئك هم الفاسقون””. موضحا أن هذه الآية نزلت والمسلمين في حرب لا تنتهي وضيق وشدة، نزلت لتبشرهم ولتطمئن قلوبهم ويسكن روعهم ويهدأ خوفهم.

طالع أيضا  د. أمكاسو: البذل بر وعطاء، وتجارة رابحة مع الله (فيديو)

وعد الله عز وجل أن ينصر المسلمين ويظهر أمرهم طالما تشبثوا بدينهم ونصروه على أنفسهم وأهوائهم، وكان الإيمان والجهاد في سبيل الله أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وعد الله عز وجل، ووعد الله حقا ووعد الله واقع لا محاله ومن أوفى بعهده من الله. يقول ناصح.

ووقف على بشريات من نور السنة قال إنها “تجدد النور في قلوبنا وتبث التفاؤل في نفوسنا بالرغم من المحن والبلايا”، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مضر ولا وبر إلا أخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر”. ويقول: “والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم”.

وعلق بقوله: “إخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما بلغ الليل والنهار، أي كل بقاع الأرض، وأن يسري هذا الدين في الأرض كلها، لن يترك حضر ولا بادية ولا بيتا من طين أو شعر إلا سلك فيه هذا النور عز الناس أم ذلوا، ضعفوا أم قووا.

واستند أيضا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله زوى لي الأرض ورأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، فملك الأمة سيبلغ بإذن الله ما أرى الله رسوله من الأرض مشارقها ومغاربها، أي كلها.

ووقف الأستاذ ناصح على حديث الخلافة المشهور، الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء يرفعها…” إلى آخر الحديث، وفصل فيها أن الحكم في البلاد الإسلامية بعد النبوية سيأتي على أربع مراحل، مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، وهي مرحلة الخلافة الراشدة التي اتبعت شرع الله، واتبعت حكم نبيه، يليها حكم عاض؛ أي وراثي بدأ مع معاوية ابن أبي سفيان حول الخلافة إلى ملك فجنى على الأمة جناية كبرى. يعقبه حكم جبري؛ أي ديكتاتوري بلسان العصر، وهو ما تتخبط في شباكه الأمة اليوم، ثم يأتي بعده الفرج خلافة على منهاج النبوة، تملأ الأرض عدلا، ويرضى عنها أهل الأرض وأهل السماء.

طالع أيضا  حسن قبيبش يُذكِّرُ بعظمة التوبة

وخلص نصيح في تذكرته إلى أن النصر والتمكين وعد من الله عز وجل لعباده الصالحين إن توفرت فيهم شروطه وعلى رأسها الإيمان والعمل الصالح، والقومة لله عز وجل والشهادة بالقسط، والتخطيط الواعي الحكيم والجهاد الدؤوب بالصبر والرفق والتدرج، حتى النصر.

ووقف على قولة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليزيد بن معاوية، حين دعاه لبيعته: “الموعد الله وكفى بالله للمظلومين ناصرا من الظالمين”. ونعم بالله.

 وختم بالدعاء للأمة بأن يبرم الله لها أمر رشد يعلو به العدل وأشياعه، ويخنس به الجور وأتباعه، ويرفع عنها كابوس الظلم والطغيان ويعجل لها بالفرج، أن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وبالصلاة على المبعوث رحمة للعالمين.