لايزال التفاعل متواصلا مع أخبار التطبيع العلني والرسمي لحكام الإمارات مع الصهاينة. ولا تزال الكتابات والتصريحات والتعليقات والاستجوابات مستمرة حول ما اعتبره صانعوه “حدثا تاريخيا” ازدان به عام كورونا المستجد. وقد رحب بالحدث قوم خوفا أو طمعا أوهما معا، وأدانه آخرون بمختلف الوسائل الممكنة، غيرة على الدين والمقدسات، ورفضا للخيانة والذلة والهوان، بينما انتقده آخرون في أكثر من مكان في العالم انتصافا لأرض مغتصبة ظلما، وتضامنا مع الفلسطينيين في محنتهم المتواصلة.
لكن بعض التصريحات رغم إدانتها لموقف غاية في الخسة، تنبئ عن غفلة أو نقص في المعلومة المتوفرة، أو تقدير غير مفهوم للحدث المدان. وأقتصر على تعبيرين دون ذكر أصحابهما لأن قصدنا هو العبرة. قال أحدهم إنه صدم لما سمع الخبر. وأتساءل ما الداعي إلى الشعور بالصدمة؟ فهل نستغربها من حكام العرب؟ التعبير عن الشعور بالصدمة يكون مناسبا لو كان الأمر يتعلق بحكام يحكمون الناس برضاهم واختيارهم، ويغارون على المقدسات والأوطان، ويقفون بجانب إخوانهم في الإيمان، كلما ألم بهم كرب أو نزلت بهم محنة، يدعمونهم بالغالي والنفيس، وينافحون عنهم في المحافل الدولية، انتصارا لقضيتهم العادلة وأداء للواجب. أما وقد صدر عمن يعرف الجميع أفعالهم وصفاتهم ومواقفهم، فإن الأمر تحصيل حاصل، وتتويج لمسار معين تم اختياره بعناية وسبق إصرار، ولا يستغرب البتة. وقد نرى في مستقبل الأيام منهم ومن أمثالهم ما هو أشد جراءة ووقاحة.
والله يحد الباس.
أما التعبير الآخر، وقد جرى على لسان أكثر من واحد، فهو أن الخطوة التي أقدم عليها حكام الإمارات كانت “مفاجئة”.
وأتساءل أين كانت المفاجأة؟ يعرف المتابعون لموضوع التطبيع أن علاقة حكام الإمارات مع الصهاينة كانت قائمة منذ عقود، وأنها كانت دائما سمنا على عسل. وهناك تقارير ومقالات تتحدث عن هذه العلاقة، وعن صور التعاون الذي بدأ مبكرا ويتضمن تقاسم المعلومات الاستخباراتية، والرحلات الجوية المباشرة وغير المباشرة وأشياء أخرى. وقد اعتمدت عدة وسائل لتسهيل الاتصال وتمتينه، وذكروا منها على سبيل المثال مركز الدراسات الاستراتيجية والأبحاث الذي أقيم في الإمارات وبتمويل إماراتي سنة 1994؛ ولم يكن الهدف الأساسي منه هو البحث الأكاديمي، وإنما لتوفير قناة للتواصل مع المسؤولين الصهاينة، كما ذكروا من الوسطاء شخصيات أمريكية بارزة. وكانت المحادثات واللقاءات تتم بانتظام في الغرف الخلفية ودون إثارة إعلامية. فأين المفاجأة في هذا الذي تصدر المشهد الإعلامي هذه الأيام وكأنه شيء جديد؟ الحقيقة أننا أمام ضجة إعلامية مقصودة لتسويق الحدث على أنه “إنجاز كبير” ولأغراض يعرفها جيدا الرئيس ترامب ونتنياهو. فأما الأول فلتقوية حظوظه في الانتخابات القابلة، وأما الآخر فللتنفيس عن مشاكله الداخلية بإثبات أنه واحد من ثلاثة قادة إسرائيليين استطاع أن يبرم اتفاقيات استراتيجية ومفيدة مع العالم العربي.
هذا كله معروف وكتب عنه كثيرون. فإذا كنا نعرفه ثم نقول إن هذه المبادرة كانت مفاجئة، فإن هذا الكلام لا يستقيم، وأقل ما يوصف به أنه تعبير في غير محله. وإذا كنا لا نعرف هذا، فإن المصيبة أعظم. أم يراد لنا أن ننكر ما لا سبيل لإنكاره ونخدع أنفسنا بإرادتنا معتبرين أن العلاقة الحميمية بين الصهاينة وجل الأنظمة العربية غير موجودة؟
والله يحد الباس

طالع أيضا  أرسلان: صفقة ترامب وجدت مستندها في الهوان الذي وصل إليه الحكام العرب