اختار الدكتور ياسين لحلو “تلاوة القرآن”  ليكون موضوع الحلقة الرابعة من حلقات “سلسلة الأذكار السنية” التي يقدمها للمستمعين من خلال قناة الشاهد الإلكترونية.

اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ” بهذا الحديث الذي أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم افتتح لحلو حلقته ليؤكد أن المقصود الاستعداد للقاء الله واليوم الآخر.

وفضائل القرآن كما يقول المتحدث تبدأ في الدنيا قبل الآخرة، لتصلحها وتعمرها بالخير والفلاح، فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سور وآيات منها من فضلها شاملٌ فسورة يس لما قرأت له، ومنها ما هو خاص للتحصين أو لقضاء الحاجات أو لجلب الأرزاق أو لدفع الأضرار أو لرفع الدرجات إلى ما هنالك مما يحتاجه المسلم لصلاح دنياه وآخرته.

يضاف إلى ذلك سرّ عظيمٌ ألا وهو شفاء القلوب من أسقامها وفتح مغاليقها وبعث عزائمها، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “القرآن ذكر يُربي الإرادة في القلوب المؤمنة“، يربي الإرادة لتُقبل على الجهاد في سبيل الله نصرة لدين الله، وتربيةً للنفس القاعدة، وإقبالاً على الخير وطلباً لأفضل ما يُطلب وجه الله عز وجل.

ويتابع لحلو قائلاً أن القرآن مدرسة للعلم والتعلم، يأخذ كل واحد منها على قدر نيته وصحبته وهمته، يتداول أهل القرآن مقولةً مفادها أن القرآن يعطيك على قدر ما تُعطيه، فإن أعطيته كلك أخذت الحظ الوافر، جاء في صحيح مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ“، قال العلماء رحمهم الله: “النصيحة لكتاب الله هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أحكامه ومعانيه، وتفهُّمُ علومه ونشرها، والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه ثم الدعاء إليه والذب عنه من تأويل المُحرفين وتعرُّض الطاغين“.

طالع أيضا  “سلسلة الأذكار السنية” مع الدكتور لحلو.. الاستغفار (3)

وتوقف المتحدث مع “تلاوته حقّ تلاوته” و“التفكر في عجائبه”، فأما التلاوة فهي قراءته ترتيلاً وفقاً لأحكام التجويد المعروفة، حق التلاوة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوة القرآن، أورد الإمام النووي في التبيان عن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى عليه وسلم قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً. وعن عبد الله بن مغفر رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يُرَجِّعُ في قراءته“، والترجيع الترديد. 

وعَنْ أَبي عبدِ الله حُذيفةَ بنِ اليمان، رضي اللهُ عنهما قال: “صَلَّيتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ ليلةٍ، فافتتح البقرةَ، فقلتُ يركعُ عند المائة، ثم مضَى فقلتُ يصلِّي بها في ركعةٍ، فمَضَى، فقلتُ يركعُ بها، ثم افتتح النساءَ: فقرأها، ثمَّ افتتحَ آل عمرانَ فقرأها، يقرأُ مترسلًا، إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّحَ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سألَ، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوَّذَ“. 

تجويد للقراءة وترجيعٌ وتفاعل مع كلام الله بالدعاء والتسبيح والاستعاذة، وإكثار مع قيام بالليل تلكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوة القرآن الكريم.

يُضيف الإمام النووي رحمه الله في التبيان كان للصحابة رضي الله عنهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه القرآن، قال: “روى ابن أبي داوود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في كل شهر مرةً، وعن كثيرين في كل ثلاث، وعن الأكثرين في كل سبع ليالٍ“، وأضاف الإمام النووي: “أما الذي ختموا في الأسبوع مرةً فكثيرون، نُقل ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين“.

طالع أيضا  “سلسلة الأذكار السنية” مع الدكتور لحلو.. الاستغفار (3)

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “لا أقل من أن يتلو المومن جزءاً حزبين كل يوم صباحاً ومساءً” حد أدنى لا عنده مع عقد العزم على حفظ كتاب الله والعيش في كنف القرآن الكريم شفاءً ومعرفةً ودعوةً.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: “لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ“، في لسان العرب: “الفقه العلم بالشيء والفهم له“. دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفكر في كلام الله والوقوف معه. يقول الإمام المجدد: “عمق التفكر رجوع على النفس باللائمة والتقريع“.

لا ننسى أن كلام الله نور يعطى، ويسعى المومن لتلقيه وفهمه عند أهله. دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عباس بالفهم في كتاب الله، والله تعالى يقول: “بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ” لهذا فأمر فهم كلام الله وتعلّمه لا بد فيه من صحبة صالحة، تُفتّحُ معها مغاليق القلوب لقبول نور القرآن الساطع المضيء.

في مدرسة القرآن نتعلم بالتلاوة الدائمة مع التفكر وذكر الله في حضن صحبة صالحة كل ما يُصلح حالنا في الدنيا والآخرة، قال بعض العارفين رضي الله عنهم: “لا يكون المُريد لوجه الله مريداً حقاً حتى يجد في القرآن كل ما يريد