ما أشبه اليوم بالبارحة، هي روح الاستبداد المتعالية الشريرة، التي لا تكترث لإرادة الأمة في إجماعها، ولا تعير اهتماما لغير غاياتها وتطلعاتها، وهي نفس طبيعة أول من حادوا عن الحكم الرشيد الذين ورثوا أمة كما يورث المتاع، فانعطافة التاريخ في صفين، والتي عرجت على الشرعية السياسية وعقدت البيعة ليزيد، غلام بني أمية، تحت سلطان سيف تسلط على الرقاب، ورهن مصير الأمة مذ ذاك الزمن وإلى اليوم في أيدي المتغلب، حتى آل إلى حكام اليوم، يقامرون بمصير الأمة ومستقبلها، بما في أيديهم من أموال يعيثون بها في الأرض فسادا وإفسادا. فالانبطاح الإماراتي السعودي اليوم وركوعه أمام الصهاينة، سبقته إشارات السلام والابتسام في اللقاءات الصحفية والندوات، وتلته مواعيد الغرام في المؤتمرات، ثم لقاءات المجون في الغرف المغلقة التي تدار منها كل عمليات الخيانة، والقادم ألعن.

لقد أصبحت الإمارات اليوم عرابة للتطبيع في المنطقة، تدعمه وتدعو إليه دون حياء أو خجل، بل وأصبحت سمسارا ووكيلا عن الكيان الصهيوني مهمته توسيع دائرة المطبعين من الأنظمة ترغيبا وترهيبا، حتى أنها ذهبت في تطرفها إلى شن حرب من تحت الطاولات ضد كل من رفض إشهار علاقاته مع “إسرائيل” أو تحويلها إلى نطاق العلن، فذلك الكيان السرطاني، لم ينجح طيلة عقود في كسر الحواجز النفسية التي تفصله عن شعوب المنطقة التي لا ترى فيه أكثر من محتل يتعلق وجوده بمسألة وقت ونضج للظروف السياسية وتغيرات موازين القوى، ورثت كراهيته أجيالا عن أجيال، وظل منبوذا لا يرى أفقا لاستمراره، لذلك سعى للتطبيع مع الأنظمة، بغرض تحييدها عن القضية الفلسطينية، وبالتالي تفكيك اجتماع الأمة على حربه واقتلاع نبتته الخبيثة من أرض الرباط، فـ”إسرائيل” تبحث جاهدة عمن يحميها من كراهية الشعوب العربية والإسلامية المحيطة بها من كل جانب، خاصة وأن الدائرة بدأت تضيق حولها بعدما أعلنت دول حرة بعيدة جغرافيا عن رفضها لما تمارسه من إرهاب ضد الفلسطينيين، هكذا وجهت البوصلة، ضمن سياق جيوسياسي أصبح سانحا بعد الربيع العربي، بفعل ضغط القضايا المحلية، وإعادة سؤال شرعية الأنظمة التي زلزلت الثورات الأرض من تحتها، والتدخل الإمبريالي الذي خلط الأوراق وأوقع المنطقة في الفوضى، وجهت بوصلتها لمساومة الأنظمة في صفقة تقدم نفسها من خلالها كحليف قوي يدعم الأنظمة القائمة ويحميها، مقابل شرعنة الاحتلال وطمر القضية الفلسطينية، (وهيهات، فهي تسكن ضمير الأمة، ولابد للتاريخ من انعطافة ثانية تعيد الأمور إلى نصابها اليوم أو غدا).

طالع أيضا  القدس أمانة

ونجد أن “إسرائيل” اليوم قد استغنت عن أمنيات السلام، ولم تعد تبحث إلا عن اتفاقيات أمنية مع الأنظمة التي تقدم لها الحماية، فالأنظمة الاستبدادية التي قمعت الشعوب وحكمت باسم الشرعية الدينية، لم تعد تقنع أحدا بعد انتشار فضائحهم، لذلك فهم يقايضون ثبات عروشهم بتقديم القضية الفلسطينية قربانا على مذبح الصهاينة، إرضاء للغرب و”إسرائيل”.

ويفرض السؤال نفسه؛ ماذا كسبت الإمارات من الانقلاب عن موقف الشيخ زايد، المعلن على الأقل، من “إسرائيل” كدولة احتلال، وهرولتها من أجل التطبيع العلني، ضدا عن الإرادة العربية في غالبيتها، مع الكيان المحتل؟ خاصة بالنظر إلى اعتبارات التوقيت، والسياقات السياسية إقليميا ودوليا، إضافة إلى أن الضعف الذي تعانيه دول المنطقة تجعل من موقف الاحتلال أكثر قوة وتعال في فرض شروطه وإملاءاته، ليظهر المطبع بمظهر اللاهث المستجدي لربط العلاقات معه، وقد توضح ذلك وبجلاء لا لبس فيه بعد تبجح الموقف الرسمي الإماراتي الذي أراد أن يبدو بمظهر من يعقد اتفاقية سلام من أجل فلسطين، ليرد نتنياهو مباشرة ودون ترك مجال لتطويل الأمل، وفي رغبة متغطرسة لإذلال الإمارات، بأنه لا وقف للاستيطان، ولا لتهويد القدس، ولا لمخططات الضم، وأن الاتفاقية تطبيع للعلاقات الديبلوماسية والتجارية، ولا تشتمل على صفقات أسلحة، إضافة إلى تماهي الموقف الأمريكي وتبنيه للموقف الإسرائيلي بشكل كامل، ولم يدعُ إلا لتأجيل الاستيطان وليس وقفه.

وفي المحصلة فإن… تتمة المقال على موقع مومنات نت.