في هذا الحوار الجديد من سلسلة “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يقدم لنا الباحث في التاريخ الأستاذ سليمان الزوير، قراءة في أهم ما جاء به الكتاب الجماعي “التاريخ الجديد”، وفي سياقته التي تعطي معنى أعمق للدراسات التاريخية.

فيما يلي نص الحوار:

ما أهم كتاب قرأته منذ بداية الحجر الصحي إلى الآن؟

يصعب حقيقة أن أحدد أي من الكتب التي طالعت في فترة الحجر الصحي أهم، وهي مختلفة في المواضيع والتخصصات، خاصة أن هذه المرحلة كانت مناسبة لفلترة قبلية للأولويات، فالتخصص الأكاديمي فرض نفسه بشكل أكبر، لكن بدون تفريط فيما تميل له النفس العاشقة للمطالعة التلقائية دون عنت.

هذه الثنائية: التخصص والعشق، في مجال القراءة والمطالعة، كانت محددا أساسيا في اختيار الكتب ووضع البرنامج، فالتخصص الأكاديمي لا تملك معه إلا الإذعان بمنهجية صارمة. والعشق؛ ذاك مأرب الروح وسكينتها، ولحظة استرخاء تمنح بإرادة متناهية بعد إذعانها السابق، وبدون محددات منهجية، جزاء وفاقا.

لكن؛ قد أختار كتابا له أهمية خاصة لاعتبارات تخصصية صرفة؛ وهو كتاب: “التاريخ الجديد” الصادر عن المنظمة العربية للترجمة، من تقديم وترجمة: “د. محمد الطاهر المنصوري” وراجعه: “د. عبد الحميد هنية”؛ بطبعتين، الأولى سنة 1978 والثانية سنة 1988، و611 صفحة.

الكتاب يحتوي على مجموعة مقالات لرواد التاريخ الاجتماعي الفرنسي، تحت إشراف المؤرخ الفرنسي “جاك لوغوف” من أمثال: “ميشيل فوفيل” ومقالته حول التاريخ والأمد الطويل، و”كريزيستوف بوميان” بمقالة حول تاريخ البنى، و”أندريه بورغيار” والأنثروبولوجيا التاريخية، و”فيليب أرياس” وتاريخ الذهنيات، “جان-ماري بيساز” وتاريخ الثقافة المادية، “جان لاكوتور” والتاريخ الآني، و”غي-بوا” ومقالته حول الماركسية والتاريخ الجديد، و”جان كلود شميت” وتاريخ الهامشيين، ثم “إفلين باتلاجين” ومقال حول تاريخ المتخيل، بالإضافة إلى مقالة المشرف على الكتاب: “جاك لوغوف” عرض فيها تعاريف التاريخ الجديد، ومدرسة الحوليات الفرنسية وآفاق هذا التاريخ ومقوماته.

طالع أيضا  "أيام الأمازيغ".. الخزروني يطلعنا على كتاب شيق يبسط علاقة الأمازيع بالدين

 ما الإشكالية الجوهرية التي يطرحها الكتاب؟ وما هي أهم الأفكار التي استفذتها وتود مشاركتها مع القراء؟

من المهم ذكر أن مدرسة الحوليات الفرنسية هذه؛ التي كان لها فضل إعطاء انطلاقة دراسة التاريخ بصفة شاملة، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، كان روادها قبل ذلك سببا في تفعيل النقاش الذي حصل بين التاريخ والعلوم الانسانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تجسد في بلورة أفكار جديدة تتصور التاريخ بطريقة مفتوحة على مفاهيم ومقاربات هذه العلوم، هذه الأفكار حملها في البداية مؤرخون شباب على رأسهم “لوسيان فافر” 1878-1956 المختص في التاريخ الوسيط، و”مارك بلوك” 1886-1944 المختص في التاريخ الحديث، الأول اغترف من معين الجغرافية والمجال والأنثروبولوجيا، والثاني نهل بدرجة أساسية من السوسيولوجيا الدوركايمية، ليكون أول مؤرخ يكتب التاريخ الاجتماعي، وله كتاب يتطرق فيه لهذه الأفكار بعنوان: “المجتمع الفيودالي”. وقد نقل هذان المؤرخان التاريخ من البحث في الأحداث إلى البحث في البنيات؛ لم يعد البحث من زاوية نظرهما للماضي محركا رئيسيا للتاريخ، بل مجرد عامل من بين عوامل أخرى مساعدة لفهم هذا التاريخ، وأسس الرجلان سنة 1929 مجلة “حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي” التي كان هدفها الأساس بلورة أفكارهما وفق مقاربة تعاونية تدبيرية فريدة يشارك فيها المؤرخون، والمشتغلون في العلوم الاجتماعية من مختلف الجامعات العالمية.

مشروع الحوليات نجح بنجاح عملية تسليم مشعل التاريخ الجديد لمؤرخين أشد حماسة لهذا التغيير في مسار الكتابة التاريخية، وامتداده في الزمن على مدى أجيال ليصل إلى “جاك لوغوف” ورفاقه، ما كان لينجح لولا المشاركة الفعالة للمؤرخين على اختلاف الأجيال. وقد كان الموضوع الرئيس والمشترك هو التنبيه إلى أن الحدث العسكري، السياسي و الدبلوماسي المهيمن على مجمل الكتابات التاريخية على اختلاف مجالاتها وأزمنتها، جعل الجوانب التاريخية الأخرى ذات العلاقة بالمجتمع، تختفي أو تكاد، فاسحة المجال لتأريخ حدثي ذو اتجاه واحد. فرواد هذه المدرسة، وعلى رأسهم “لوسيان فافر”، “مارك بلوك”، و”فرناند بروديل” وغيرهم.. أكدوا على أن فهم الحدث السياسي، العسكري أو الديبلوماسي، لن يتأتى إلا عن طريق الإحاطة بكافة جوانبه، فالتاريخ السياسي مبهم غـامض، وما لم يوضع في سياقه الشامل الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي، فإن تفسيره للتاريخ سيظل تفسيرا جزئيا، وأن العمل من أجل تاريخ جديد شامل، يتعاطى مـع كافـة جوانب الحياة؛ يقتضي إصلاحا واسعا للمناهج المتبعة، لتحقيق استقلاليته العلمية، والاستفادة بشكل أكبر مـن مختلف العلوم الاجتماعية، التي أكد “لوسيان فافر” على أنها علوم مساعدة للتاريخ تدور في فلكه.

طالع أيضا  ذ. الخزروني يبسط لنا كنوز كتاب "ثورة الأمل"

وهكذا اتخذت الدراسات التاريخية بعدا شموليا، سواء من حيث الزمان والمكان، أو من حيث مواضيع البحث. وكتاب التاريخ الجديد بمقالاته الإحدى عشر يأتي ليعضد هذا الطرح من خلال التطرق لمواضيع تنهل من جوانب المجتمع وهوامشه، مواضيع ظلت غائبة أو مغيبة على طول التاريخ الإنساني؛ فهو علم في سن الطفولة، على درب التقدم، كما يؤكد “جاك لوغوف”، يتقاطع مع كافة العلوم الإنسانية، بتطرقه للحياة الاجتماعية من خلال سبر أغوار المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى يتجاوز مفهوم التاريخ نفسه، ليعطي تفسيرا آخر؛ سواء من خلال ما عبر عنه “ميشيل فوفيل” بتغيير الحقل التاريخي عبر التقسيم البروديلي للتاريخ في “كتابه المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني” الذي يعتبر في نظر أصحاب هذه المدرسة برهنة نموذجية على تتبع مظاهر التواصل في الزمان والمكان من خلال تقسيمه؛ -وهو يتناول الأحداث في رقعة جغرافية محددة هي البحر الأبيض المتوسط- للزمن التاريخي إلى ثلاثة أزمنة رئيسية:

–       الزمن الجغرافي شبه الثابت.

–       الزمن الاجتماعي المتحرك ببطء أو الأمد المتوسط.

–       الزمن السياسي التقليدي الحدثي، المتحرك على السطح والذي تخلف أحداثه منعطفات في تاريخ المجتمعات كنتيجة للعمل البطيء للمجموعات الاجتماعية على المدى الطويل.

أو من خلال مفهوم البنى وخصائص تاريخها في مقال “كريزيستوف بوميان” وتاريخ الذهنيات كما جاء في مقال “فيليب أرياس”، وصولا إلى التاريخ الآني أو الراهن ومجالاته، وإرهاصات عودة هيمنة الحدث على الكتابة التاريخية من خلال تفاعلات المؤرخ مع الحدث الراهن، وتقاطعات التاريخ مع مجالات السياسة والمتابعات الصحفية.

الكتاب غني في مجاله، وكثيف المعاني والأبعاد، والرؤى، وزوايا النظر، رغم وحدة التصور، التي تجمع بين المشاركين في تدبيج مقالاته الإحدى عشر، والقارئ المتخصص، وهو ينتقل في هذا الكتاب من مقال إلى مقال يشعر وكأنه يتابع سيرة ذاتية لشخصية فاعلة، منذ الطفولة مع ما عاشته من تقلبات صعبة، لكن بنسق متصاعد؛ هذه الشخصية الوازنة والمؤثرة تسمى “التاريخ الجديد”.

طالع أيضا  الدكتور الفراك يُقدّم لنا عصارة كتاب "زبدة الحقائق" في أصول الدين