مما اشتهر به الفيلسوف وعالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي بليز باسكال “Blaise Pascal” (1623 – 1662)، الرهان الذي ناظر به الذين لا يؤمنون بوجود الله، وهو حجة منطقية مبنية على نظرية الاحتمالات النسبية، وخلاصة هذا الرهان:

ـ إن آمنت بالله وكان الله موجوداً، فزت بالخلود في الجنة.

ـ إن لم تؤمن بالله وكان الله موجوداً، خسرت بالخلود في جهنم.

ـ إن آمنت بالله وكان الله غير موجود، لم تفز بشيء وخسارتك محدودة.

ـ إن لم تؤمن بالله وكان الله غير موجود، عشت حياة الدنيا كما تشاء، ولن تحاسب، وربحك محدود.

والنتيجة التي يسعى إليها باسكال، وهو مسيحي مؤمن بوجود الله، أن يقول للناس: “آمنوا خيرًا / خيرٌ لكم”. وقياسا على رهان باسكال، ولله المثل الأعلى، يمكن التمييز في الخطاب المتداول حول كورونا بين خطابين:

1- خطاب المؤمنين المصدقين المنخرطين عمليا في إيجاد الحلول، والبحث عن العلاجات، واتخاذ التدابير للحد من انتشار الفيروس، والتوعية بمخاطره… وهذا الخطاب تتبناه الدول والأنظمة الحاكمة ومؤسساتها الرسمية، والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وانخرط فيه علماء وأهل الاختصاص في مجالات علمية متنوعة، وعامة الناس المصدقين عن قناعة، أو عن خوف من المرض أو من العقوبات الزجرية في حالة عدم التصديق والالتزام والامتثال.

2- خطاب الرافضين المعتبرين لكرونا مؤامرة مدبرة من قبل الكبار المتحكمين في العالم، بهدف المزيد من التحكم، وكسب الأرباح المادية والمعنوية على حساب حرية وصحة وحياة الإنسان. فأصحاب هذا الخطاب يشككون في عدد الحالات المصابة بالفيروس وعدد الوفيات المعلنة، ويعتبرون كوفيد 19 فيروسا كسائر الفيروسات، لا يستحق كل هذا التهويل، ويرفضون الالتزام بالتدابير الاحترازية معتبرين إياها وسائل لترويض البشرية، والتلاعب بنفسياتها، والتحكم في رقابها. ومن أصحاب هذا الخطاب أطباء وعلماء وشخصيات من مجالات متنوعة، ومعهم جماهير المقتنعين بهذا الخطاب، أو المتضررين من التضييق على الأرزاق والحريات بسبب كورونا الذين اعتبروا الفيروس أقل خطرا من نتائج التضييق.

طالع أيضا  التعليم عن بعد، هل هو حل ناجع أم إجراء استثنائي؟

الصراع بين الاتجاهين متواصل رغم اختلال موازين القوى بين طرف يمتلك السلطة والمال والقرار والقدرة على التأثير عبر الإعلام، وطرف يبدو فوضويا وإمكاناته محدودة، لكنه يجد آذانا صاغية، ويؤثر بنسبة معينة، ويستطيع بذلك التشويش على الطرف الأخر. ومآل الصراع واضح منذ البداية، فالبقاء والهيمنة للأقوى، والقوي في المعادلة معروف.

لكن الإنسان البسيط على الأرض يُقْصَفُ يوميا بالخطابين معا، ويتيه بين التناقضات اليومية للفريقين. فداخل الفريق الأقوى تضارب في الآراء والمعلومات حول هوية الفيروس، وكيفية انتقاله، ودرجة خطورته، والفئات التي يستهدفها، وكيفيات العلاج، والأدوية المناسبة، والتوقعات الخاصة بمدة الأزمة الناجمة عن كورونا، وجدوى التدابير الاحترازية، وأساليب مواجهة الفيروس، ولو جمعت الأقوال والتصريحات والمقالات “العلمية” التي نشرت عن أهل الاختصاص وكبار المسؤولين منذ بداية انتشار الفيروس، لبقيت حائرا تتساءل: أين العلم؟ أين الحقيقة؟ ما الذي نصدق؟ كلام الإنسان في شهر مارس؟ أم كلامه في شهر ماي؟ أم كلامه بعد ذلك؟ كما أن القرارات الخاطئة تجعل الكفة الراجحة مرجوحة، ومنها:

ـ إلزامية التحاليل الطبية من أجل السفر أو العمل أو الدراسة… مع العلم أن الإصابة بالفيروس قد تحدث في أية لحظة بعد إجراء التحاليل.

ـ القرارات المفاجئة الخاصة بالحجر الصحي أو منع التنقل والسفر، أو منع الخروج من البيت… والتي تأتي بنتائج عكسية.

ـ قرارات توقيف الأنشطة الاقتصادية التي هي مصدر عيش فئات عريضة من الناس دون منحهم البديل. فالجوع يقتل لا محالة، بينما تتعافى من الوباء حالات عديدة.

ـ إسناد الأمر إلى غير أهله، وتطفل الناس على مجالات لا تعنيهم ولا يمكنهم أن يفيدوا فيها بشيء، وإقصاء ذوي الكفاءة والاختصاص.

ـ ازدواجية المعايير في القرارات المتعلقة بتدبير الجائحة.

وفي انتظار أن ينتصر الحق والعلم والحقيقة، وفي انتظار التصويب ومراجعة الأخطاء، وقبل ذلك وأثناءه وبعده في انتظار الفرج من الكريم سبحانه، نقول كما قال باسكال “آمنوا خيرًا / خيرٌ لكم”.

طالع أيضا  سنة الله في خلقه وفي التاريخ.. حوار مع الأستاذ رشدي بويبري