ارتباك وحيرة وتخبط وغضب جارف.. عناوين رئيسية تستطيع وصف مشهد الدخول التربوي المدرسي 2020- 2021 بعد طول ترقب لقرارات وزارة التربية والتعليم بالمغرب التي جاءت مطبوعة بالارتجال والتردد لتصب الزيت فوق نار الغضب المتنامي.

لن يكابر أحد بالطبع أو يعاند في تقدير الظروف الصعبة التي يمر منها بلدنا بل والعالم أجمع بسبب جائحة كورونا، لكن الواعي بأهمية التعليم وخطورة توقفه أو اضطرابه على مستقبل المجتمعات سيسعى قدر استطاعته إلى إيجاد الوسائل والطرق التي تتيح استمرار التعلم للناشئة بشتى الطرق والوسائل.

فأمام انتشار جائحة كورونا بالمغرب سارعت وزارة التربية الوطنية فور ظهور أولى الحالات إلى اتخاذ قرار يقضي بتوقيف الدراسة الحضورية بتاريخ 13 مارس 2020، والانتقال إلى تعليم عن بعد يشارك فيه نساء ورجال التربية والتعليم رفقة المؤسسات الإعلامية المساندة في التلفزة أو في المنصات الرقمية.

اختلالات واضحة

لم ينته الموسم إلا بكثير من الجدل بسبب الخلاف الكبير بين عدد من أرباب مدارس التعليم الخصوصي الذين بادروا إلى الامتناع عن تسليم الشواهد لمن لم يؤدوا مستحقاتهم المالية بدلاً من اللجوء إلى المساطر القانونية وبين الآباء غير الراضين عن تعلمات أبنائهم وكذا المغلوبون على أمرهم جراء عطالتهم عن العمل الذي فرضته كرونا، وكذلك بسبب تقييم حصيلة التعليم عن بعد التي أجمع أغلب المراقبين لعدم أدائها للمطلوب.

هذا النوع من التعليم الجديد بالمغرب اعتبره الكثيرون مفروضاً “بشكل فوقي وغير تشاركي” في ظل غياب مقومات إنجاحه نظراً للتخلف في إدماج التكنولوجيا في التعليم وتأخر المنظومة في ولوج عالم الرقمنة، فلا الوزارة تمتلك خزانات للموارد الرقمية، ولا بدائل ديداكتيكية تنسجم وهذا النوع من التعليم، ولا تكوينا مهنيا لأطرها التربوية قصد تأهيلهم للتعامل الفعال مع نظير هذه الوضعيات، يضيف مراقبون.

كما تفتقر إلى مرجعيات تشريعية وتنظيمية تضبط العلاقات المهنية وتحدد الالتزامات والمسؤوليات في مثل هذه المناسبات، ومن أمثلة ذلك الأزمة الخانقة التي اندلعت بين مؤسسات التعليم الخصوصي وبين الأسر والتي لا زالت تداعياتها مستفحلة لحد الساعة…

طالع أيضا  حدث الأسبوع: التعليم في المغرب والحاجة إلى "معجزة"

الأستاذ عبد الله الهلالي المفتش في التوجيه التربوي والباحث في مجال التربية والتعليم رصد أبرز الاختلالات التي عرفها الدخول هذه السنة فكان أبرزها “عدم الحسم المبكر في النموذج التربوي المعتمد في هذه السنة وعدم الانتهاء من تدابير تحضير الموسم الموالي قبل خروج العديد من المديرين للعطلة السنوية (البنيات التربوية للمؤسسات، المقرر التنظيمي للسنة الدراسية)” هذا بالإضافة إلى “ترك الحسم في النموذج التربوي المعتمد للأسر عبر ملء استمارات، مع غياب معطيات دقيقة وفي ظل الأمية المتفشية للأسر، مما يفهم من هذا تملص الوزارة من تحمل المسؤولية“.

الهلالي أضاف في حوار خص به موقع الجماعة. نت أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم دخل “مرحلة السبات والكمون وكأن الأمر لا يعنيه في شيء“، وبدا واضحاً أيضاً “عدم إشراك الوزارة للفاعلين التربويين في كثير من المحطات والقرارات المصيرية” كأطر المراقبة والتفتيش، أطر التخطيط والتوجيه، جمعيات المدرسين، النقابات التعليمية، جمعيات آباء وأولياء التلاميذ..

تدابير “ارتجالية”

ارتباك واضح بدى على وزارة التربية الوطنية، فبعد مهلة كافية للتفكير في مخارج للأزمات المتداخلة التي تعيشها المنظومة في ظل الأزمة الصحية المستمرة، فاجأت الوزارة الجميع بتأجيل الامتحان الجهوي الذي يهم تلاميذ السنة أولى باكلوريا قبل أسبوع من موعده المقرر مما أثار موجة احتقان وغضب واسع.

حسناء ادويشي عضو المكتب الوطني لقطاع التعليم التابع لجماعة العدل والإحسان قالت في حوار سابق نشره موقع مومنات. نت إنهم قد تعودوا في منظومتنا التعليمية على: “انتظار المفاجآت وتوقع الاختلالات، لذلك لم يكن الدخول المدرسي لهذا الموسم نشازا عن سالفيه إلا من حيث ارتفاع حجم الارتباك والتوتر، وتنامي مستويات الإحباط والتذمر”، مضيفة وهي تعلق على مخطط تدبير الموسم الدراسي الذي أصدرته الوزارة في بلاغ يوم 22 غشت 2020 والذي أثار موجة كبيرة من الانتقادات بأن: “تدخلات الوزارة ومقاربتها التواصلية في التعاطي مع تداعيات الأزمة اتسمت في عمومها بالارتباك وغياب الرؤية والانفراد بالقرار وتغييب الإشراك الحقيقي للفاعلين والشركاء والمعنيين المباشرين..”.

طالع أيضا  النظام التعليمي المغربي وإعادة إنتاج التبعية والتسلط

لم يكن غريبا أن نجد البلاغ الذي أصدرته الوزارة بخصوص تدبير الدخول المدرسي قد جاء حاملا لشتى صور الارتباك والغموض، عاجزا عن بلورة مواقف واضحة وصريحة، متملصا من مسؤولية القرار، مفضلا سياسة الهروب إلى الأمام والاكتفاء برمي الكرات الحارقة في حجر الأسر، لتتحمل وحدها مجبرة غير مختارة تبعات القرار تضيف الأستاذة ادويشي؛ فإما أن “تدفع الأسر أبناءها لتعليم حضوري مع تحمل تبعات خطر التعرض للإصابة” أو تحمل “مسؤولية توفير وسائل وإمكانات وشروط “تعليم عن بعد” تبين من خلال تجارب السنة الماضية أنه يفتقد إلى الكثير من مقومات النجاعة والفعالية وتغيب فيه مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص بشهادة المسؤولين أنفسهم وبتقارير رسمية موثقة“.

طبعاً دون الحديث عن تدابير الدخول المدرسي في العالم القروي التي كانت موضوعاً مطروحاً بقوة لتساءل الوزارة من لدن طيف واسع من النقابيين والفاعلين كي كون بالفعل كفيلة بضمان الحد الأدنى من التربية والتعليم، لا بالنسبة للتعليم عن بعد والإكراهات الواقعية والتقنية التي يعرفها العالم القروي والجبلي، فيما يخص النقص الحاد على مستوى الطاقة الكهربائية وشبكة الأنترنيت، أو النظام الحضوري وما ينتظره من فتح للداخليات ودور الطالب والطالبة والتي لا يخفى على أحد ما تعرفه من اكتظاظ، إذ يتعدى ذلك أحياناً ضعف أو ضعفي طاقتها الاستيعابي، وتوفير النقل إلى غير ذلك..  

انطلاقة متعثرة

بعد أن رمت الوزارة كرة اختيار نمط التعليم في ملعب الأسر خيمت هواجس الاختيار على أولياء أمور التلاميذ، وساد الترقب بسبب تغير معطيات الحالة الوبائية كل يوم، لكن أغلبية الأسر اختارت لأبنائها التعليم الحضوري بعد أن شاهدت ضعف مردودية التعليم عن بعد وعدم إيفائه بأغراض التعلم.

وارتفعت بذلك تكلفة الدخول بعد أن انضافت إلى اللوازم الدراسية تكاليف التعقيم والتطهير والكمامات، فضلاً عن القلق الشديد تجاه صعوبات إقناع الأطفال بارتداء الكمامة لأهميتها في وقف انتقال العدوى، وكذا إفهامهم مبادئ التباعد في الأماكن المزدحمة، كوسائل النقل، والساحة المدرسية.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: مشروع قانون 22.20 يهدف إلى الاستغلال الماكر لظروف جائحة كورونا

من جهة أخرى، يسود الترقب من “نزوح جماعي” من القطاع الخاص إلى العام بسبب اللجوء المحتمل إلى الإبقاء على نمط التعليم عن بعد وكذلك بسبب الجشع الذي أبدته عدد من هذه المؤسسات نهاية الموسم المنصرم. فقد أعلنت المديرية الإقليمية بأكادير لوحدها في بلاغ سابق موافقتها على طلبات انتقال 1687 تلميذاً من المدارس الخصوصية إلى العمومية، وفي ظل غياب إحصاء دقيق للمعطيات الوطنية يتوقع أن تشهد هذه السنة هجرة العديد من التلاميذ ستزيد دون شك من وطأة الاكتظاظ الموجود أصلاً في المدارس العمومية.  

هل كان بالإمكان أحسن مما كان؟

تعترض كل الحلول المطروحة اليوم إيجابيات وسلبيات كثيرة مما يحتم ضرورة تفهم الصعوبات المتعلقة بتدبير الدخول المدرسي في ظل الوضع الراهنة، إلا أن التناقض في اتخاذ القرارات المشوب بالتردد والارتباك مع سوابق عديدة هو الذي يدفع المغاربة إلى انعدام الثقة في التدبير الرسمي، فشروط دخول تربوي ناجح نسبيا كان ممكنا لو أن الوزارة قامت خلال أشهر يونيو ويوليوز وغشت بتبني مقاربة تقوم على الإشراك والتشاور الواسع بكل شجاعة في صعوبة القرارات الواجب اتخاذها.

وسيكون النقاش العمومي الذي ينخرط فيه الجميع بدءاً بالمعنيين الأساسيين من تلاميذ وطلبة وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وأساتذة وكذا النقابات والأحزاب والإداريين والمختصين والخبراء والمجتمع المدني قادراً على استيعاب الصعوبات، والسير بشكل جماعي نحو الخيارات الأقل تكلفة تحظى باقتناع واسع من قِبل الرأي العام، بدل هذا التخبط والالتباس الذي تعيشه الآن معظم المؤسسات التعليمية، العمومية والخصوصية سواءً بسواء، ومعها الأسر المعنية.