أصدرت السلطات ليلة أمس الأحد/الإثنين 06 شتنبر 2020 قرارات جديدة تتعلق بتنظيم الحياة العامة بمدينة الدار البيضاء ويدخل حيز التنفيذ في صبيحة إصداره، بما فيها التعليم المدرسي والجامعي، بعدما سجلت فيها 773 حالة إصابة جديدة و11 وفاة في المدينة لوحدها، في حين سجلت 2234 حالة إصابة جديدة و32 وفاة خلال 24 ساعة إلى حدود الساعة السادسة من مساء يوم أمس في عموم البلاد.

قرارات آخر الليل

تصر السلطات في سياستها التواصلية مع المواطنين على الوفاء لأسلوبها في إعلان قراراتها في الوقت الميت، وإثارة الزوابع لدى المواطنين بـ “قرارات آخر الليل” كما يحلو لرواد مواقع التواصل الاجتماعي تسميتها، بالتوازي مع موجة استياء يتم تصريفها على شكل سخرية واسعة، بعد “تعميم نداءات إلى المواطنين بتأخير النوم إلى الساعات المتأخرة جدا من الليل، كي لا تفوتهم قرارات السلطات”.

لم تكن المرة الأولى التي تعلن فيها السلطات بمختلف اختصاصاتها عن قراراتها المفاجئة المعاكسة للتوجه في آخر لحظة، فقد أعلن بلاغ للحكومة ليلة أمس الأحد/الإثنين عن قرار اعتماد “التعليم عن بعد” في عمالات الدار البيضاء في خضم عدد من التدابير المماثلة مثل إغلاق كل المدارس في ليلة كان صباحها يستعد ومعه آلاف الأسر لإرسال الأبناء إلى المدارس، بعد أن خيرتهم السلطات نفسها بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد فاختار أزيد من 80 في المائة الأول.

وقبل الإعلان الرسمي عن نسبة 80 في المائة من الأسر المعبرة عن رغبتها في تعليم أبنائها حضوريا، عاشت هذه الأسر حالة من الحيرة في الاختيار بين خيارين أحلاهما مر، بين الارتهان إلى التعليم عن بعد مع معرفة مسبقة بالفشل، وبين دفع فلذات أكبادها إلى جحيم الوباء، وما أن تم الحسم، حتى اختلطت الأوراق من جديد.

طالع أيضا  مع الأستاذ ركراكي.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (1)

التعليم عن بعد

لم تكن الدار البيضاء وحدها التي أقرت فيها السلطات نظام “التعليم عن بعد” في الدراسة، بل كل المناطق والمدن التي سجلت فيها أعداد كبيرة من الإصابات، ليعود الحديث عن موضوع “التعليم عن بعد” مع هذا القرار إلى الواجهة، لاسيما بعد الإقرار الرسمي والشعبي بفشل تجربته في الموسم الماضي، وفرَض فشله على الوزارة عدم اعتماد دروسه في الامتحانات، وهو الفشل نفسه الذي يراه الجميع نتيجة حتمية في غياب تام لأي إجراءات بديلة أو مدعمة تُبنى على تقييم حقيقي لتجربة السنة الماضية، إن على المستوى المادي اللوجيستي أو على المستوى التربوي البيداغوجي.

وإن كانت الوزارة أقرت النمطين في التعليم عن بعد أو حضوريا، إلا أن الأول يفرز اختلالا حقيقيا في تكافؤ الفرص بين أبناء الأسر إن على “مستوى اليسر أو العوز” في القرى والبوادي والمدن وتَوَفُّرِ الأسر على الإمكانيات المادية الخاصة بمتابعة التعليم عن بعد، أو على “المستوى المجالي”، حيث عددٌ من الأسر التي توجد في مناطق غير مزودة بصبيب الإنترنت أو ضعفه إلى درجة تستحيل معه متابعة الدراسة بصرف النظر عن توفر الماديات لاقتنائه.

التعليم الحضوري

غير بعيد عن التعليم عن بعد، فإن حالة الفوضى التي يعرفها تدبير المغرب في زمن الجائحة، وأعداد الإصابات التي ترتفع يوما بعد يوم، في وقت ترتفع فيه لغة الأمن والسلطة وترميم الاقتصاد والاستفراد بالتدبير، عن غيرها من المقاربات؛ يجعل نمط التعليم الحضوري هو الآخر في موضع الاتهام، ليس لأنه غير ناجع في تحصيل الإفادة وضمان سير تعليمي جيد لأبناء المغاربة، فهذا يكاد يكون موضع إجماع، ولكن لأن الإجراءات الصحية المواكبة، والعشوائية في اتخاذ القرارات وغياب رؤية واضحة لدى قطاعات حكومية مسؤولة بلهَ توضيحها للشعب؛ كل هذا يجعل من التعليم الحضوري مقبرة لأبناء الشعب المغربي، وموضع ترقب كبير لارتفاع أعداد الإصابات، وهو ما يجعل من المدارس والجامعات بؤرا لا قدر الله.

طالع أيضا  تعلمت وتذكرت وأيقنت ثم اطمأننت.. من جائحة كورونا

موضوع اتهام نمط “التعليم الحضوري” برفع أعداد الإصابات بشكل تنبئي، لا يقتصر فقط على ما ذكر من عشوائية واستحالة المواظبة على البروتوكول الصحي في حال وجوده أصلا؛ بل لأن الأعداد الهائلة من التلاميذ في مقابل العدد القليل جدا من الأطر، وغياب فتح المجال لتوظيفات جديدة، يستحيل معه تنظيم التباعد الاجتماعي في الحياة المدرسية في ظل الاكتظاظ الذي تعرفه الأقسام، إلا إذا تم إنهاك الأطر التربوية والإدارية وإثقال كاهلهم بمهام وساعات إضافية من العمل لتغطية الخصاص المهول في الأطر.

وبعد انطلاق الدخول المدرسي صباح اليوم تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لأقسام بالتعليم الأولي والإعدادي والثانوي تبين اختلالات في البروتوكول الصحي، بما يعرض حياة التلاميذ للخطر، وهو ما حمل وزير التعليم على التصريح صباح اليوم بـ “فتح تحقيق” في حقيقة الصور وفي تسريبها. لكن الذي أثار الانتباه في بلاغ الوزير، أن لغته التهديدية لـ “من صور وسرب الصور”، وليس لـ “من عرض حياة الأطفال للخطر” عبر البحث في حقيقة الصور المتداولة.

حالة “اللاستقرار” في الحالة الوبائية “شماعة” للقرارات الارتجالية

القرار الذي أصدرته السلطات، كغيره من أمثاله شكلا ومضمونا ونتيجة، تقول السلطات إن ارتفاع حالات الإصابة المسجلة يوم أمس الأحد، الذي فاق الألفين في سابقة من نوعها منذ بداية الجائحة في المغرب، هو الذي فرضه.

حالة “اللاستقرار” التي تعرفها الحالة الوبائية في المغرب، هو “الشماعة” التي تعلق عليه السلطات قراراتها الفجائية تارة، وتارة أخرى يبقى أبرز “دليل” على غياب أي رؤية واضحة ومعقولة ومنطقية لتدبير الأوضاع في بلد يتسلق الترتيب يوما بعد يوم نحو اللحاق بدول المقدمة في عدد الإصابات بالوباء، كاشفا معه فشلا ذريعا لمنظومة ما فتئت تدعي النجاح إلى عهد قريب في تدبير ملف الجائحة، قبل أن تهرب إلى الأمام وتتنصل من كل مسؤولياتها، فترمي المواطنين بدائها وتنسل، لتتهمهم بشكل لا أخلاقي في التسبب في ارتفاع أعداد الإصابات.

طالع أيضا  أزمة كورونا وعودة الأدوار الاجتماعية لمؤسسة الأسرة

الحقيقة أن القرارات التي تعلنها السلطات إلى المواطنين “لا تصدر من منطق التخبط وغياب الرؤية فقط”، بل الأمْر أدهى من ذلك، وهو أن “من يقرر يتصرف بمنطق الضيعة، النابع من التدبير الاستبدادي التسلطي الذي يغيب معه الاعتبار للشعب أولا ونهاية”، وهو المنطق الذي لا يأخذ بعين الاعتبار، ولا يضعه في الحسبان حتى؛ أن هناك مساطر تسمى المساءلة أو المحاسبة تخضع لها قرارات “آخر الليل”.

إن المتتبع لتبير الشأن العام في البلد يكتشف أن القرارات الارتجالية، وغياب تصورات مستنبطة من الأرضية الشعبية المغربية، ومرتبطة بها حقيقة؛ ليست وليدة هاته اللحظة، ولن ينتهي أيضا بانتهاء الجائحة، ما لم يتم وضع نهاية لعقلية الريع والاستبداد والفساد التي تجري في كل مفاصل الدولة، مجرى الدم في الجسم، وتنتقل كابرا عن كابر، ورأسا إلى الرأس الذي يليه.