كشف الدكتور عمر احرشان ما اعتبره “اختلالات بنيوية يعاني منها المغرب”، أبرزتها جائحة كوفيد 19، ملفتا إلى أن تغول الإدارة على الحكومة، وإضعاف الفاعل السياسي لفائدة التقنوقراط، وتهميش المجتمع المدني، وتغييب الشعب، واستثمار التناقضات المجتمعية، ومفاجأة المواطنين بالقرارات التي تضرب مصالحهم الحقيقية بدون مبرر وتعليل؛ كل ذلك “لن ينتج دولة متماسكة نهائيا ولن يزرع أجواء الثقة مجتمعيا، وسيزيد العزوف واللامبالاة وتنامي السلوكات غير المواطنة”.

وذهب عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في مقال كتبه في صفحته الرسمية بفيسبوك، إلى أن أهم ما اكتشفه المغاربة خلال جائحة كوفيد 19 “ضعف تواصل السلطات العمومية معهم لإحاطتهم بما لهم وما عليهم”، موضحا أن التواصل، شكلا ومضمونا، “يكتسي أهمية بالغة في ترسيخ الثقة في المؤسسات والسياسات والقرارات الرسمية، وخاصة في لحظات الأزمة”.

ضعف التواصل وفق إحرشان، يأتي بصورة ارتجالية في القرارات، وتأخر في الإخبار، مع التضارب بين المؤسسات، والعمومية المفرطة في بعض القرارات، إضافة إلى التراجع غير المبرر عن قرارات تم الدفاع عنها لحظة إقراراها باستماتة، فضلا عن الاعتراف بغياب تصور للمستقبل. هذه كلها، وغيرها كثير، يضيف المتحدث “بينت أن “الدولة” للأسف لم تخرج من الطابع الفجائي ولم تتحكم في تدبير الحالة الوبائية ولم تسلك مسلك الشفافية في التواصل مع الناس بشأنها”.

وبين الأستاذ الجامعي عددا من التناقضات في القرارات المرتبطة بتدبير الجائحة من قبيل “الكمامات ضرورية.. الكمامات غير ضرورية”، “الحالة الوبائية مسيطر عليها.. غير مسيطر عليها”، “امتحانات السنة الأولى باك تؤجل.. تعقد.. تؤجل.. تجرى بداية أكتوبر“…

وبين تناقضا آخر مرتبطا بالأقسام ذات الأعداد المحدودة التي تجري الامتحانات عن بعد، بينما المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، التي تكون فيها احتمالات انتشار العدوى عالية، تجري فيها الامتحانات حضوريا، وهذا لا يقل تناقضه خطورة من “إصدار مذكرات في جنح الليل، أو الشروع في تنفيذها دقائق بعد صدورها”، كما تم التصريح بأن المغرب صار مصنعا لأجهزة التنفس.. قبل أن يتم الإقرار بعدم إمكانية العمل بها لافتقادها معايير الجودة المهنية والصحية.

طالع أيضا  لجنة وطنية تكشف سياسات الدولة بعد الوباء للإجهاز على ما تبقى من فضاءات للتعبير

وأرجع الباحث في العلوم السياسية هذه القرارات التي طبعها الارتباك والتناقض والتسرع، وتكشف ضعف الكفاءة والتواصل وعدم احترام المغاربة وحقهم في معرفة حقيقة الوضعية التي أثرت على حياتهم وترهن مستقبلهم؛ إلى “البنية المخزنية للإدارة العمومية التي ترى قوتها في احتكار المعلومات والتحكم في نشرها بما يخدم مصلحتها”.

ولفت إحرشان إلى أن هذه الإدارة “ترى قوتها في تسلطها واستعلائها على المواطنين لأنها لا تتصور نفسها في خدمتهم، فهي أداء تسلط وليس خدمة”.

وترجع أساب هذه القرارات أيضا وفق أحرشان إلى “ضعف الفاعل الحزبي الذي تخلى عن وظيفته الأساسية، في التأطير والوساطة مع المجتمع”، وإلى “تخلي الحكومة عن صلاحياتها لفائدة الولاة والعمال ورجال/نساء السلطة المحلية“، كما ترجع أيضا إلى “ضعف التنسيق بين مكونات الحكومة وكذا وزرائها حتى بدا التناقض في أسوأ حالاته بين بعض الوزراء“، فضلا عن “تخلي المؤسسة التشريعية عن دور الرقابي والتشريعي ورضيت بالانتقاص منه لفائدة إدارة وزارة الداخلية“، وأخيرا “تهميش والإضعاف الذي طال عمل مؤسسات المجتمع المدني”.

وبينما حمل المسؤولية لـ “من بيده هذه القرارات ويتحكم فيها من حيث المدخلات والمخرجات“، أوضح أن تحميل الشعب المسؤولية نهائيا، لن ينفع لأنه “مسكين اختلطت عليه الأمور وفقد من يرشده، وازداد ضرره، ولم يجد من يسمع شكواه ويأخذ بيده ويعبر عن معاناته”.

وأشار إلى أن المواطن “ليس حائطا قصيرا”، ليتحمل كل مسؤوليته ويحاسب بقدر السلطة التي عنده والإمكانيات المتاحة له. “هذا هو الربط الحقيقي للسلطة بالمسؤولية ودونه ليس إلا إفلاتا من المحاسبة”.