لعل الذاكرة الجمعية إن نسيت، لا يمكنها أن تنسى أبدا ما جادت به قريحة الشاعر أحمد شوقي في حق المعلم:

قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا

بيت شعري يحمل من معاني التعظيم والإجلال ما يجعل المعلم يكاد أن ينتعل التريا، مرفوع القامة يمشي، وقد أثر عن البلاغ النبوي أن كل الخلائق تستغفر لمعلم الناس الخير.

مناسبة هذا الكلام، الوضع الذي يعيشه المعلم (أقصد رجل التعليم في كل مستويات المنظومة) في زمن السلطوية ببلدنا الحبيب وبالأقطار المشابهة، ماديا ومعنويا:

إن أفلس فهو لا يحسن التدبير، إن ظهرت عليه آثار النعمة فهو مستثمر، إن بدت بوادر لحركة احتجاجية تلمذية أو طلابية فهو المحرض، إن ساد في مؤسسته اللامبالاة فهو التافه، إن كان فعالا فهو المزعج، إن تحاشى الاحتكاك فهو المنغلق على نفسه،…المهم طارت معزة، وإلى طاحت الصومعة يتعلق الحجام، عفوا قديمة، يتعلق الأستاذ.

قد يقول قائل بأن في الأمر مبالغة لا يقرها إلا من ينظر للواقع بمنظار أسود، وهنا أكتفي بسوق مثال له بعد مادي/اجتماعي، وآخر له بعد معنوي/ اعتباري، وأترك للقارئ التعليق:

الأول: النظام الأساسي للأساتذة الباحثين الذي يفترض فيه أن يعكس التكريم المادي للأستاذ واسطة عقد المنظومة، هذا النظام لم يخضع لأي تعديل لأكثر من 23 سنة رغم ما وقع من تطورات متسارعة في المجتمع من ارتفاع للأسعار وغلاء للمعيشة ونهوض بتكاليف جديدة…

الثاني: الأنماط التربوية المعلن خلال هذه السنة 2021/ 2020 المتراوحة بين: التعليم الحضوري، والتعليم عن بعد، والتناوب بينهما.

فالداعي لهذه الأنماط هو تجنب الوقوع فريسة للوباء، لذا يتعين على ولي أمر التلميذ وعلى الطالب أن يحسنا اختيار النمط المناسب لهما، ويتحملا بعد ذلك مسؤوليتهما.

على ما في الأمر من مجازفة وهروب الوزارة للأمام تنصلا من المسؤولية، يبقى الأغرب من كل ذلك هو: ما موقع الأستاذ من هذا الاختيار، ألا يستحق أن يستشار ولو استشارة معلمة، أم أن كورونا فصيلة من فصيلته، يمتد نسبها إلى جده الخامس، حتى إذا صادفه فيروسها القاتل خاطبه بكل إجلال: ” أنت المعلم ولد العم، أنا حالف ما نزيدك هم، غير سير تخدم”!!!؟؟؟

عوادي الزمان هذه التي أصابت وتصيب المعلم ، ما كنت أنتبه لورودها في نفس القصيدة، ولا داريا بتحذير شوقي رحمه الله منها ومن آثارها، من فرط شيوع مطلعها الحاض على توفيةالتبجيل لمن كاد أن يكون رسولا، حتى استوقفني البيت الشعري رقم 14 في ترتيب القصيدة الذي يقول فيه:

صرعته دنيا المستبد كما هوت — من ضربة الشمس الرؤوس ذهولا

لا مستقبل للبلاد، ولا سعادة للعباد، إن لم يكسر قيد الاستبداد، ويكرم الأستاذ.