يتابع الرأي العام منذ أسابيع إضرابا عن الطعام يخوضه، بعد يأس من نجاح كل المساعي، مجموعة من معتقلي حراك الريف. وكلما طالت مدة الإضراب تضاعفت المخاطر مما يجعل الكل في حالة انتظار قاتلة. المثير في الأمر كله هو حالة الغياب التي طبعت عمل المؤسسات التي يجب أن تضطلع بمهام الوساطة وتسعى لحل المشاكل لأنها، وهذا المفروض، الأكثر استشعارا بعدالة مطالب المعتقلين وسهولة الاستجابة لها، لو توفرت الإرادة لذلك، وخطورة المآلات التي قد تنتج عن طول الإضراب عن الطعام في ظل استمرار سوء التفاهم بين سلطة تتصور التجاوب مع مطالب عادلة وبسيطة تنازلا واستسلاما وبين معتقلين لم يعد لديهم ما يخسروه، وهم القابعون في السجون ظلما بسبب تعبيرهم عن معاناة منطقتهم التي تفتقر لنصيبها في التنمية، وقد اعترف الكل بعدالة ووجاهة ما يطالبون به.

إلى حد الساعة هناك شبه غياب دور لوزارة حقوق الإنسان ودور خجول للمجلس الوطني لحقوق الإنسان وأداء جد محتشم للبرلمان وضعف أداء للجمعيات الحقوقية كقوة اقتراحية لمبادرة تحظى برضى المعتقلين وتحرج السلطات وتكتفي، بالمقابل، بالطابع التضامني فقط، وهي مشكورة على هذا العمل طبعا. أما الأحزاب، الحكومية والمعارضة، فلا حضور وازن في أجندتها لهذا الملف.

في مثل هذه اللحظات، والحق في الحياة صار مهددا، يلزم تغليب البعد الإنساني على كل الاعتبارات السياسية وحسابات الربح والخسارة. يلزم استحضار صرخات الآباء ولوعة الأمهات. يلزم التفكير بمنطق حقوقي صرف.

إن استمرار الإضراب بكل تداعياته المحتملة مسؤوليتنا جميعا ولا يمكن لأي طرف مجتمعي التنصل منها بأي مبرر مهما كان وجيها.

هذا مثال فقط يبرز أن تجريف مؤسسات الوساطة يقود إلى الكوارث.

لقد مر على هذا الملف سنين وحان الوقت للدفع بمبادرة تحقق الانفراج الذي صار ضرره يطول الجميع. وكلنا يتذكر الظروف التي رافقت المحاكمات والخروقات التي شابتها مما يجعل أحكامها ظالمة. وليس هنا مكان التفصيل في عدم توفر ضمانات المحاكمة العادلة طيلة أطوار محاكمة هؤلاء المعتقلين.

هل في البلد عقلاء وحكماء ووسطاء يمكنهم اقتراح مبادرة جادة لطي هذه الصفحة؟ هل يعدم المغاربة طاقات لهذه الدرجة أم هو الخوف وعدم الثقة؟ ألهذه الدرجة وصلت سطوة الاستبداد فصارت تفرض على الكثيرين رقابة ذاتية؟ ألهذه الدرجة يبلغ الحقد بالسلطة على شباب لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا صوت الأغلبية المحرومة؟ لماذا لا يتحرك من قادوا وساطات سابقة ليوضحوا للرأي العام من كان السبب في فشل مبادراتهم ولماذا؟

الانسداد الحاصل في ملف معتقلي حراك الريف مؤشر فقط على حالة الجمود التي صارت تطبع البلاد، وعلى رفض التجاوب، الذي صار ممنهجا، مع مطالب كل الاحتجاجات. نعيش حقيقة حالة إنكار من المخزن لحقائق الواقع ومحاولة فرض واقع لا علاقة له بانتظارات الناس.

حين تتصرف السلطة بهذه العقلية الانتقامية فإنها تفتقد المعنى الحقيقي، القانوني والسياسي والأخلاقي، للسلطة ذات المشروعية والتي تحتكر وسائل الإكراه ولكنها لا تستعملها إلا لخدمة الشرعية والمشروعية.

لقد صرنا أمام مندوبية سجون تتفنن في التجاهل والتعذيب النفسي للمعتقلين والعائلات والحقوقيين ولنا جميعا كمتابعين لهذا الملف ننتظر أخبار سيئة، لا قدر الله، في أي لحظة.

لا أمل في مبادرة من السلطة لأن طبعها الاستبدادي والانتقامي يغلب في هذه اللحظات كما عودتنا التجارب.. ولا يمكن أن تستجيب إلا تحت الضغط.. ولن يتحقق هذا الضغط إلا بوحدة صف المعنيين بهذا الملف.. ولن تتحقق هذه الوحدة إلا بتغليب المصالح العليا للمعتقلين على الحسابات الظرفية والخلافات السياسية الثانوية وحتى الأساسية.
هل باستطاعة هؤلاء ربح هذا الرهان؟ وكيف يمكنهم ذلك؟ وما المانع في ذلك؟

لن نخترع جديدا ولن نكتشف وصفة غير موجودة ومجربة. الطريق واضحة.. نحتاج فقط فاعلين ينظرون للمستقبل وتداعيات تغول الاستبداد المستقوي بالفساد فيقدمون تنازلات لبعضهم البعض من أجل جبهة عريضة تتبنى هذا الملف وتناضل لتحقيق مطالبه وفق برنامج مشترك من أجل عزل المخزن في هذا الملف ليكتشف أنه وحده في كفة وكل المجتمع في كفة أخرى لأن المغاربة بكل أطيافهم يتناسون كل شيء حين يرون الحق في الحياة مهدد.

الروح عزيزة عند الله، وهو القائل سبحانه: “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا“. صدق الله العظيم.