لم يكن الدخول المدرسي وحده ما أثار ردود فعل واسعة، بعد الارتباك الكبير والواضح لوزارة التربية الوطنية من خلال قراراتها التي أعلنتها في بلاغاتها، بل لم يكن قطاع التعليم العالي التابع تدبيره للوزارة ذاتها في منأى عن النقد اللاذع للإجراءات المتخذة إلى حدود اليوم.

امتحانات مؤجلة وأحياء جامعية موصدة

العدد الكبير من الإجراءات التي أقدمت عليها الوزارة في قطاع التعليم العالي، أو عن طريق الجامعات والمؤسسات الجامعية المعنية، من قبيل تدبير الامتحانات الجامعية الربيعية المؤجلة، وبدأت جولة اجتيازها منذ يوم أول أمس في عدد من الكليات، لقيت استنكارا كبيرا باعتبارها خطوة قد تعرض حياة الآلاف من الطلبة والطالبات للخطر، رغم التخفيف الذي أعلت عنه الجامعات نظريا عن طريق إحداث “مراكز القرب”.

اجتياز الامتحانات في وقت شدد فيه قطاع التعليم العالي بالتنسيق مع وزارة الداخلية على غلق الأحياء الجامعية، اعتبره الكثير من المهتمين بالشأن الجامعي “استهتارا” بالطلبة والطالبات، لأنهم يضطرون إلى الكراء والبحث عنه في ظروف صعبة مع ارتفاع سومات الكراء في الأحياء القريبة من الجامعات، وهو ما يجعلهم عرضة لسماسرة الكراء فضلا عن غياب منحة استثنائية تغطي مصاريفهم في زمن الوباء، وقد رصد موقع “الجماعة.نت” بيوت اكتراء للطالبات بأعداد فوق طاقتها الاستيعابية، ما يدق ناقوس خطر على صحة أفواج من المقبلين على الكراء بأعداد كبيرة للتعاون على مواجهة الغلاء وقلة ذات اليد، غير آبهين بالاكتظاظ الذي بررت به الوزارة غلق هذه الأحياء، لكن الخطر تم ارتداده بأشكل مضاعفة تنذر بالأسوأ لا قدر الله، وقد تتسبب في بؤر جامعية تنضاف إلى عشرات البؤر المهنية والاجتماعية المكتشفة.

مراكز للقرب وامتحانات عن بعد 

ورغم أن العديد من الجامعات أعلنت أنها ستزيد من عدد مراكز القرب، باعتبارها استراتيجية متبعة لتخفيف الضغط عن القاعات وتقريب الامتحانات من مدن الطلبة، إلا أن عدد هذه المراكز لا يمكن له بأي حال من الأحوال تغطية كل المدن التي ينحدر منها الطلبة، وهو ما يستوجب في النهاية تنقلات وأسفارا قد تطول من القرى والبوادي أو المدن إلى مراكز الامتحانات، وهو ما يرفع من مخاطر الإصابات في صفوف طلبة الجامعات وفق ما يروجه الطلبة فيما بينهم.

طالع أيضا  أوطم: الدولة تسعى لتشويه سمعة الجامعة وتواصل تخطيطها لصناعة الفشل

في مقابل ذلك قررت الوزارة طريقة امتحان الطلبة المسجلين في المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، التي تقوم على التقييمات عن بعد، أو بأعمال تطبيقية وبحوث قابلة للتقييم عن بعد، وهو ما فرض على العديد من هاته المؤسسات إعادة برمجتها للامتحانات بعدما كانت قد أعلنت عنها في أوقات سابقة.

خيارات  الوزارة في الموسم الجديد 

وكانت وزارة التربية الوطنية -قطاع التعليم العالي- أصدرت بيانا يوم 24 غشت الماضي، وأعلنت فيه “قراراتها” الخاصة بالامتحانات وتدبير الموسم المقبل، مرتكزة على التعليم عن بعد في المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، والتعليم الحضوري في المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، وهو ما قوبل بردود فعل قوية من قبل النقابة الوطنية للتعليم العالي، خاصة صيغة البلاغ البعيدة عن الإشراك والغارق في الأحادية. كما حمَلت الوزارةُ منظمةَ الاتحاد الوطني على إصدار بيان رد فيه على ما ذهبت إليه الوزارة، خاصة بعد التقييم المخيب للآمال من حصيلة الموسم الفارط، وغياب بوادر التعبئة الكفيلة باستدراك التجاوزات، لإرساء منظومة “التعليم عن بعد” بقواعدها وأسسها الصحيحة، لكي تكون قادرة على مواكبة البحث العلمي والأكاديمي وصناعة أطر في المستوى المطلوب.

نقابات تعارض توجه الوزارة

لم تسلم الخيارات التي أعلنت الوزارة اعتمادها في قطاع التعليم العالي في الموسم المقبل في بعديه الحضوري وعن بعد، بل إن المتابعين للشأن الجامعي والتعليمي عامة يقرأون في بلاغ الوزارة الكثير من “التخبط والارتجال” يتجاوز مجرد اتخاذ قرار عن نمط التعليم.

فقد اجتمعت النقابة الوطنية للتعليم العالي فور صدور بيان الوزارة “لتدارس الارتباك والتخبط الذي يعرفه تدبير القطاع، والذي يترجم استخفافا لا مسؤولا واستهانة مذنبة بمصير آلاف الطالبات والطلبة، ويفتح على مجهول مستقبل منظومة التربية والتكوين، الأمر الذي قد يعصف بأمن واستقرار البلاد كما حذر منه المكتب الوطني في مناسبات عدة”.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -9-

وأدانت نقابة الأساتذة الجامعيين ما قالت عنه “الإسراع في وضع مشروع مرسوم ما يسمى بالتعليم عن بعد، بعيدا عن الاتفاق القبلي مع النقابة الوطنية للتعليم العالي واستخفافا بالعمل التشاركي الذي طالما تبجحت به الحكومة. وسوف تخوض النقابة الوطنية للتعليم العالي حتما أشرس معركة من أجل الحفاظ على ما تبقى من المرفق العمومي للتعليم العالي والبحث العلمي”.

ولفتت النقابة ذاتها إلى أن محاولة الوزارة التوجه نحو التعليم عن بعد كبديل عن التعليم الحضوري ما هو إلا تعبير جلي عن الواقع المتردي لبلادنا على جميع الأصعدة، وتعبير كذلك عن عجز الوزارة في اتخاذ الوسائل العملية للسياسة المعلنة.

وانتقدت منظمة الاتحاد الوطني بدورها إجراءات الوزارة في قطاع التعليم العالي، معبرة عن “استياء” آلاف الطلبة من طريقة تدبير الامتحانات الجامعية، موضحة أن البلاغات والبيانات التي تناسلت عن الجامعات في هذا الخصوص منذ أسبوعين يبرز تردداً وتخبطاً وارتجالاً واضحاً في اتخاذ القرارات. وانتقدت “أوطم” “التشبث باجتياز الامتحانات الجامعية بشكل حضوري لحوالي 730 ألف طالب مغربي، في تناقض وعشوائية غريبة مع القرار السابق الذي قضى ولنفس الوضعية الصحية التي تمر منها بلادنا بتأجيل الاختبارات الجهوية لتلاميذ السنة الأولى بكالوريا الذين لا يتجاوزون 300 ألف تلميذ!”

التعليم الجامعي وسؤال الجودة

لم يثر نمط الدخول الجامعي الجدل فقط، بل وطرح معه إلى الواجهة أيضا، سؤال الجودة في التعليم العالي الذي يريده الشعب المغربي، فالتعليم العالي المقرون بمنظومة واعدة للبحث العلمي والأكاديمي، المقرون بالاختراع والابتكار والتطوير والإبداع، المقرون بخدمة قضايا الشعب الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية، هو ما يصبو إليه كل متتبع شغوف ببلد متقدمة، لكن هذا المطمح يبقى شعارا بعيد المنال لاسيما وأنه فقط قبل أسبوعين كشف تصنيف “شنغهاي” الشهير عن قائمة أفضل 1000 جامعة في العالم خلال سنة 2020، وهو التصنيف الذي لم تستطع جامعة مغربية واحدة التموقع فيه.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -10-

لقد استطاعت جائحة كورونا التي فرضت حجرا صحيا لأشهر معدودة في بلادنا؛ أن تكشف من العيوب ما كان خافيا، وطفا على السطح بشكل مباشر، ما كان مجرد تنبؤات وتنبيهات في تدبير كل المؤسسات في البلاد، وأوضحت بما يكفي التبعية المكشوفة لفرنسا في أبسط الأشياء، وقد تناقل العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي وثائق لخطط الدخول المدرسي في فرنسا تم اعتماد بعضها بالحرف في المغرب من ناحية الإجراءات النظرية بعيدا عن التعبئة المادية وتوفير الإمكانات اللازمة التي تبدو من خلالها الرغبة الحقيقة المصاحبة بالإرادة في خدمة المواطنين، وبدا واضحا أن الدخول الجامعي أفرز تناقضات الوزارة في وجود رؤية وتخطيط واضحين بعد اللجوء إلى أسهل الحلول غير المكلفة للوزارة رغم تكلفتها الغالية في صفوف أبناء الشعب المقهور على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد.

لا يختلف اثنان على أن بناء منظومة جامعية قوامها البحث العلمي الرصين ذو جودة وأثر ونتاج؛ يحتاج إلى كفاءات وعقول وأموال، ولا يختلف اثنان كذلك على أن المغرب لا يعدم أموالا ولا يعدم عقولا وكفاءات كذلك، لكن السؤال الملح يسير بنا نحو دائرة البحث عن مصير هاته الكفاءات والأموال، سنجد أنفسنا داخل الدائرة نفسها، وسنجد أن الفساد المستشري في كل مؤسسات الدولة، هو الموجه لتلك الأموال إلى غير وجهتها الصحيحة، وعندما يكون الفساد حاكما تهمش العقول والطاقات الصادقة، أو تُفتح أمامها أبواب الهجرة، كما تُفتح أمام الأموال المنهوبة، فهما في النهاية وجهان لـ “عملة صعبة” لا وجود لها في مؤسسات الدولة.