تقديم 


تتفق الأدبيات التربوية والمنظومات التعليمية على أهمية التربية والتعليم، ودورهما الرائد في تشكيل الوعي، وبناء الشخصية، وصناعة النموذج التنموي الناجح. لهذه الأهمية تعنى الدول بمدخلات التربية والتعليم ومخرجاتهما من فلسفة تربوية مؤطرة للمنظومة التربوية، ومناهج وبرامج دراسية، ومناهج تكوين المدرسين، ونظام التقويم والامتحانات، والعلاقة بالأسرة والمجتمع وسوق الشغل…، ولا تتوانى- إلى جانب الاستثمار الرشيد في قطاع التعليم – في تقدير الإبداع التربوي تأليفا وتدريسا، والاحتفاء بالكفاءات التربوية ذات الخبرة المعرفية والمهنية اعتمادا على كتبهم البيداغوجية، ومدارسة لها، ونقلا لتجربتهم المهنية للأجيال المعاصرة واللاحقة.

 برز في المغرب بعد الاستقلال مؤلفون بيداغوجيون أسهموا بإنتاجاتهم التربوية في تكوين المدرسين وتطوير التدريس، في وقت كان السعي حثيثا لمغربة الأطر والبرامج التكوينية والتدريسية، بعد استفادته من الأطر العربية والأجنبية. ومن المؤلفين البيداغوجيين المغاربة البارزين في ستينيات القرن العشرين الأستاذ والخبير التربوي والمكون البيداغوجي عبد السلام ياسين، فلا يمكن أن تخطئ عين الباحث التربوي المنصف النظر إلى إسهامه التأليفي في مجال تكوين المدرسين وتخريجهم، وتدريس المتعلمين وتأهيلهم.

 من مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين البيداغوجية “النصوص التربوية”، فعنوان المؤلف دليل على ماهيته، وعَلَم على موضوعه، إذ جمع فيه بعد اطلاع واسع على الفكر التربوي ومدارسه المختلفة بعين فاحصة مدققة فصوص النصوص التربوية لتكون مادة تكوينية تدريبية في مدارس المعلمين والمعلمات، فهل لهذا الكتاب التأهيلي لهذه الفئة المهمة داخل المجتمع قيمة؟ هل ما زال يحمل جدة في شكله ومضمونه، ويكسب راهنية التعريف به؟ هل تبعث ضرورة الاحتفاء بالإنتاج البيداغوجي المغربي في مجال تكوين المدرسين على بحث مضامين الكتاب، وكشف وظائفه ومطامحه؟ هذه الأسئلة وغيرها تتم مقاربة الإجابة عنها منتظمة في المحورين الآتيين:

– كتاب “النصوص التربوية” وسؤال القيمة

طالع أيضا  في تقليد المغلوب للغالب..

– كتاب “النصوص التربوية” وسؤال الوظيفة

– خلاصات واستنتاجات

– توصيات

1- كتاب “النصوص التربوية” وسؤال القيمة:


 يختلف نظر القراء في رصد قيمة كتاب ما، تبعا لخلفياتهم المعرفية، ومناهجهم القرائية التي يستصحبونها في قراءتهم ويتكئون عليها، ورغم هذا الاختلاف الرصدي، والتنوع الكشفي لقيمة الكتب، إلا أنه قد تجمع بين القراء متفقات منهجية متعددة، لعل أهمها النظر إلى الكاتب من حيث ماضيه الثقافي، وتكوينه المعرفي، وتوجهه الفكري، والنظر إلى الكتاب في شكله وبنائه الهيكلي، وسياقه وباعثه التأليفي، وفي مصادره التي استقى منها مادته العلمية، أو استند عليها في تحريرها، بما يمكن من استكناه مضامينه وحوامله المعرفية، واكتشاف وظائفه المفصحة عن “الذات الكاتبة”.

1-1- نبذة عن المؤلف/الكاتب:

 إن أهم ما يستوقف القارئ لمسيرة الأستاذ عبد السلام ياسين الدراسية ظهور علامات النجابة المبكرة عليه؛ دلت عليها قوة تحصيله العلمي، وترقيه في المستويات الدراسية، وتطلعه للتجديد على مستوى طرق التدريس، إذ كان يملك حسا نقديا مبكرا لمناهج التلقين المعتمدة في المدارس التي مر منها، وتطلعا مشروعا لتوسيع مداركه المعرفية، وذلك ما يفسر نهمه القرائي الذي غذى عقله، وصقل فكره، وعصاميته الفريدة في تعلم اللغات بدءا باللغة الفرنسية بنَفَس المتعلم المعلم “الذي طرق أبواب التأليف المدرسي مبكرا بدفتره ذي العشرين صفحة”. ولم تقتصر ملامح النجابة على مرحلة التحصيل العلمي، بل طالت ممارسته المهنية معلما ومديرا، ومفتشا، ومكونا ومدربا ذا أهلية معززة بالشواهد من المعاهد المتخصصة في أوربا وأمريكا. ترق مهني وفر له تجربة مهنية غنية، وخبرة تربوية عالية.

 كان للحصيلة المعرفية، والتجربة المهنية للأستاذ عبد السلام ياسين، ولقراءته المنظمة والناقدة، وملاحظته الدقيقة لطرق التدريس أثر في تفتيق موهبته التأليفية، التي تخطت البدايات المتواضعة إلى مرحلة الصنعة في الكتابة، موظفا فيها ما رضع عقله من فنون القول، وعلوم اللسان، وأبكار الأفكار من مطالعاته المتنوعة المستمرة، فخط لقلمه منهجا خاصا به في الكتابة كما عبر تلميذه “محمد مومن” بقوله: “فهو له مدرسة خاصة به في الكتابة. كانت تخطر في قلبه الفكرة فيكتبها. ويكتب بالسهل الممتنع، وربما جاءته فكرة رسالة أو كتاب فيقول لك: “خذ قلما واكتب”، فيملي عليك الكتاب. وهذه من خصوصياته. ويقول العارفون بأنه كما يكتب بالعربية يكتب بالفرنسية أو الإنجليزية، وبالفرنسية أكثر. كان قويا قوة فكرية جبارة”.

طالع أيضا  المدرسة ورش لإحياء القيم وإرسائها

 لا غرابة فيما صرح به تلميذه “مومن”، فقوة عارضته، وجودة تحصيله وفهمه، وجدة أسلوبه وتعبيره جعلت كتابته منسابة كالماء، “فإن العلم كالماء نباع، وبعضه للبعض تباع”، يولد علما جديدا وفكرا متقدا:

وذو الــفـهـم لـه عـلــــم جـديـد حـيـثـما يخطو

فـفـكـر واعـتـبـر تـعـلــم عـلـوما دونها الضبط

وتدرك غير ما في الصحـ ــف يوما خلد الخـط

 كانت سيتينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين مرحلة التأليف البيداغوجي والمدرسي للأستاذ عبد السلام ياسين، فقد ذكر المؤرخ لسيرته محمد العربي أبو حزم أن مرحلة تأليفه ثلاثيته التربوية لمدارس المعلمين والمعلمات: “مذكرات في التربية” و”النصوص التربوية” و”كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا؟” التي نشرتها دار السلمي سنة 1963م، كانت قصيرة جدا (1961-1962م)، مقارنة بالمقررات الدراسية التي ألفها لوحده أو باشتراك مع غيره ك”المطالعة الجديدة” بأجزائها الأربعة، و”الحساب الجديد” و”الجديد في دروس الأشياء”، فقد امتدت نحو عشر سنوات إلى حدود عام 1972م.

1-2- نبذة عن المؤلف/الكِتاب:

 يقع كتاب “النصوص التربوية” ذو الحجم المتوسط في 173 صفحة، وصدر عن دار السلمي في طبعته الأولى سنة 1963، وكُتب عنوانُه والمستهدفُ به وسط صفحة الغلاف “النصوص التربوية لمدارس المعلمين والمعلمات”، وأعلاها ذكر المؤلفُ وصفتُه “تأليف عبد السلام ياسين، مفتش التعليم الابتدائي، ومدير مدرسة المعلمين بمراكش”، وأُثبتت دار الطبع والنشر وسط أسفل الصفحة. فما الذي حمل الكاتب على تأليف الكتاب؟ وأية مقاصد رام تحقيقها؟

1-2-1- سياق تأليف الكتاب والباعث عليه:

 يعتبر إدراك السياق الزمني والفكري لتأليف الكتب البيداغوجية المغربية أمرا مهما لا غنى عنه للوقوف على بواعث التأليف ومقاصده، وللتأريخ الصحيح للذاكرة التربوية المغربية. وكتاب “النصوص التربوية” الذي اعتبره الناشر “أحمد السلمي” “مفخرة من مفاخر الخزانة المغربية، بل مفخرة من مفاخر الخزانة العربية”، جاء في سياق زمني مهم من تاريخ المغرب، وسياق فكري عالمي وعربي ومحلي؛ إذ مست الحاجة بعد الاستقلال إلى مغربة الأطر التربوية للرفع من مستوى العرض التعليمي بالمدن والبوادي المغربية، عبر تأهيلهم وتكوينهم في المجال التربوي اطلاعا على المدارس التربوية العالمية وروادها ومبادئها وسيرورتها التطورية والسياقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نبتت فيها وتغذت منها وحكمت بناءها النظري وتطبيقها الميداني، دون تغييب للسياق المغربي بمجالاته المختلفة، وخصوصيات البيئة المغربية والمعلم المغربي والطفل المغربي، فلا يمكن مباشرة تكوين المدرسين المغاربة بمعزل عن الأفكار المؤطرة للفلسفة التربوية، والدراسات التربوية في علم النفس والاجتماع…

طالع أيضا  المُخالقة الحسنة

 ضمّن المؤلف عبد السلام ياسين في مقدمة كتابه… تتمة المقال على موقع ياسين نت.