جميل أن نتحدث فيما يقع، والأجمل منه أن نفهم حقيقةَ ما يقع، ثم نحسن تسمية ما يقع. إن ما نعيشه اليوم جراء جائحة كورونا على جميع المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية… لا يمكن تسميته إلا بالأزمة أو الكارثة، وعليه فإننا عندما نقتنع أننا أمام أزمة يتوجب علينا التصرف وفق خصوصية الأزمة، وسمات الأزمة، ومتطلبات الأزمة، والأساليب الناجعة لإدارة وتدبير هذه الأزمة.

من المعلوم أن الأزمة مصطلح رحل من مجال الطب إلى عالم السياسة، ومن ثم إلى باقي العلوم الإنسانية. فإذا كانت الأزمة في الطب تعني تحولا مفاجئا في جسم الإنسان يهدد توازنه ويستدعي تدخلا سريعا، فإن نفس السمات تطبع الأزمات التي ترافق الشعوب والدول. ذلك أن الدولة عند وقوع الأزمة تجد نفسها أمام ظروف وأحداث مفاجئة، تنطوي على تهديد مباشر لوضعها الراهن. فالأزمة هي نقطة حرجة ولحظة حاسمة يتحدد عندها مصير أمة أو دولة أو شعب، إما إلى الأفضل أو إلى الأسوء. وقد عرَّفها علم إدارة الطوارئ والأزمات بأنها أي الأزمة: “عَرَضٌ(symptom) يسبق انفجار وضع ما”. وبالتالي فإن أي أزمة ومنها جائحة كورونا تعتبر نقطة تحول تحتاج إلى سرعة القرار وتحديد مجالات المواجهة. وهو أمر يستلزم مهارة عالية جدا في التدبير والإدارة. ولعل من أكثر المقولات شيوعا في علم إدارة الطوارئ والأزمات، عبارة: “لا يمكنك إدارة ما لا تفهمه”. فالأزمة في حاجة إلى قادة ومهنيين ومختصين، يتمتعون بخلفية أكاديمية عميقة، وخبرة ميدانية عالية، يجمعون إلى جانب علوم الإدارة والتدبير، علم إدارة الطوارئ. وهذا بطبيعة الحال ليس بالضرورة أن يتوفر في عامل مدينة او باشا او قائد مقاطعة أو مقدم حي. كما ليس بالضرورة أن يتوفر في وزير أو برلماني ولا حتى ملك او رئيس دولة. لهذه الأسباب كلها اعتُبِرَت أزمة كورونا اختبارا لكفاءة الدولة، وتقييما لكفاءة النظام السياسي، وتمرينا لقدرة القيادة الحاكمة على حشد الكفاءات المتخصصة، وتوحيد الجهود، وتعزيز روح المسؤولية والتضامن… في أفق اتخاذ القرار السليم وفي الوقت المناسب. إن الوصول إلى القرار السليم هو جوهر تدبير الأزمة، وهو أمر يتطلب تجاوز الأساليب التقليدية في تدبير الأزمات من قبيل: إنكار الأزمة – إخماد الأزمة – تجنب الأزمة – تنفيس الأزمة – تفريغ الأزمة. فالأزمة التي لا نخطط لتجاوزها وفق رد فعل منظم وكفاءة عالية ستسير بنا حيث تريد هي لا حيث نريد نحن! والأزمات عموما تتسم بتصاعد الأحداث وسرعتها وديناميتها وتعقيدها وتداخل مجالاتها، وحالة الذعر المصاحبة لها، ونقص المعلومات حولها، وفقدان القدرة على التحكم فيها، وغياب حلول جذرية مجربة معها… وكل هذه السمات تتطلب معالجة خاصة، وبإمكانيات ضخمة، وعلى يد فرق عمل متخصصة توجه وتؤطر العمل الحكومي إبان مرحلة الطوارئ. ولمواجهة الأزمة يتوجب أولا تغيير تصورنا عن الأزمة، فهي ليست نهاية العالم، بل هي فرصة حقيقية للتغيير. فالأزمة لا بد أن تستفز الأذهان وتحفزها نحو إبداع حلول غير متوقعة لأحداث غير متوقعة، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بِطَرْقِ فضاءات بِكْرٍ تمهد السبيل إلى مرحلة جديدة تستبطن تغييرا مقبلا. أما الاقتصار على تحليل الأزمة، ووصف الأزمة، والتقليل من خسائر الأزمة، فهي دروب لا تزيد الأزمة إلا خطورة.

طالع أيضا  ذة. الرياضي: سبب الأزمة يكمن في انتهاك حق الشعب المغربي في تقرير مصيره

إننا اليوم في حاجة إلى تأسيس وتمويل مراكز بحث في علوم الطوارئ والكوارث والأوبئة، كما نحن في حاجة إلى إدماج هذا التخصص في الدراسات الجامعية العليا لتغذية هذه المراكز بالأطر الأكاديمية المتخصصة. لا بد من صياغة منظومة وقائية، وتشجيع الفكر التنبُّئِي الوقائي، ثم لا بد من ابداع منظومة تواصلية فعالة، بعيدة عن المقاربة الأمنية القائمة على العلاقة العمودية (سلطة/مواطن)، وهو أمر لا يتسنى تحقيقه إلا بالديمقراطية التشاركية وتفعيل حرية المجتمع المدني، عوض الاستفراد بالقرارات. إن المجتمع في أوقات الأزمة هو بمثابة احتياطي تعبوي يمكن الاعتماد عليه بنسبة عالية لمعالجة الأزمة وتجاوزها، بل واستثماره لبناء سياسي مستقبلي واعد. إن كل شعارات الدولة لا تختبر اختبارا جيدا إلا في مواقف الأزمات، وأول ما يتم اختباره منسوب الوعي الذي ضخته الدولة طوال السنوات التي سبقت الأزمة، فلا يعقل أن تطالب الدولة المواطن بالوعي أثناء الأزمة، وهي التي كانت تقتل الوعي في المواطن قبل الأزمة. إن الاقتناع بضرورة التعامل مع أي أزمة بطريقة استثنائية، يتطلب تقديم مصلحة الإنسان ومصلحة الوطن، قبل أي مصلحة بعيدا عن برصة السياسة ولغة الأسهم والربح السياسوي؛ ولعله واقع الحال في المغرب، حيث انفراد السلطة بتدبير الأزمة رغم افتقارها لكل المقومات المذكورة أعلاه. إن أزمة كورونا في المغرب تحتاج إلى نقطة تحول حاسمة في تدبيرها ومواجهتها، وذلك بالانتقال إلى تأسيس إدارة للطوارئ تضم إلى جانب ممثلي الحكومة والبرلمان، مهنيين ومختصين في إدارة الأزمات. أما الاقتصار على إحصاء المصابين والمخالطين والموتى، فهي لعمري مهمة يستطيع القيام بها الأطفال قبل الكبار. وخلاصة القول، إن الأزمات ليست من اختصاص هواة السياسة أو متوسطي الذكاء، بل إنها من اختصاص ذوي الذكاءات العالية، لأن الأزمة تحتاج إلى إبداع الحلول وليس الاستسلام أمامها. وهذا أمر ليس بمقدور المخزن الذي يتقوقع اجتهاده في دائرة السيطرة والتحكم واحتكار المعلومات والاستبداد بالرأي، وإنما هو أمر يتسع لذوي المهارات والكفاءات المبدعة، التي تفكر من خارج الصندوق وليس من داخله! إذن لا بد أن تقتصر مهمة السلطة العمومية على التنفيذ والسهر على التنفيذ، أما تدبير وإدارة الأزمة فيستلزم مجلسا موسعا من المختصين لإدارة الطوارئ، يتجاوز الحسابات السياسية إلى استحضار مستقبل الوطن. فهل يا ترى ستجد هذه الكلمات طريقها إلى آذان من يهمهم الأمر، سيما وأن الأحداث تتسارع، والتهديدات تتزايد، والأزمة تحتاج تظافر الجهود واستثمار الكفاءات من أجل الوطن والمواطن، بعيدا عن القرارات العشوائية والمغامرات السياسية غير محسوبة العواقب، وآخرها مهزلة تدبير ملف التعليم، الذي يفتقر بلاغ وزارته إلى تركيب منطقي بين الجمل، بله أن يجيب عن متطلبات الأزمة.

طالع أيضا  د. إحرشان: الأزمة في المغرب لا ترتبط بحكومة ولا بحكامة بل بنظام حكم

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.