التَّوَقانُ إلى الحرية غريزة أصيلة تسكن في أعماق كل إنسان، فسجلات التاريخ حافلة بالصفحات المشرقة للعديد من الهبّات التحررية التي عرفتها كل القارات وعبر كل العصور. منها ما حالفه النجاح في حينه، ومنها ما انتظر إلى حين إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية ليفك العقال. وفي كل الأحوال، فمهما تعددت الأشكال، وتنوعت الوسائل والمنطلقات، واختلفت الأجناس وأصحاب المبادرات، فإن الغاية كانت وستبقى حاملة لنفس الدلالات: إخراج الناس من الضيق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي، إلى سعة الحرية بمعناها الواسع الذي يحفظ للإنسان كرامته الآدمية، ويسترجع للشعب سيادته المسلوبة فيمسك قرار مصيره بيده.

 حاجة أمتنا اليوم إلى التحرر عبرت عنها حناجر شعوبها جهارا، بعد أن ضاقت من سياسات الاستعباد والاستبداد. ساعدها في ذلك بصيص أمل انطلق مع ما اصطلح عليه بـ “ربيع الحرية”، إلا أن الانتكاسات كانت مؤلمة عندما استعادت الدولة العميقة المبادرة – كل بطريقتها الخاصة- واستأنفت تشغيل وسائلها التحكمية، من إعلام وتعليم وأشباه مفكرين ومثقفين وسياسيين… كل ذلك من أجل الترويج لهزيمة الشعوب المطالبة بحقها في الوجود، وصولا إلى انهيار إرادتها، والتشكيك في وعيها،  ومحاصرة كل نزعة تحررية يُحتمل أن تنشط فيها وتُواجِه التسلط.

ونكاية في الشعوب المفقرة والمُجَهّلة، بلغ الأمر بالاستبداد العربي إلى التكتل للمزيد من قهرها ومحاصرتها عوض الاستجابة إلى مطالبها الاجتماعية والاقتصادية وكذا السياسية. فانتقل بذلك من الدفاع إلى الهجوم، مستعملا المال لشراء الذمم وضرب العملات والاقتصاديات؛ والإعلامَ لصناعة رأي عام يخشى التغيير ويتشبث بالأنظمة القائمة وكأنها قدر مقدور، ويبث الفرقة بناء على الدين أو المذهب أو اللغة وغيرها، بل ويُحيِي الولاءات القَبَلِية حتى وإن أصبحت في خبر كان. كما أن التكتل الاستبدادي لجأ أيضا إلى السلاح، إما لتحطيم ما تم بناؤه (الديمقراطية الفتية بمصر نموذجا)، وإما تحسبا لما يمكن وقوعه (الحراك الشعبي اليمني). هذا ولم تتوقف محاولات التربص والتشويش على المؤسسات التي قامت ولو على أساس بصيص من المشاركة الشعبية.

طالع أيضا  الأمة بين منطق الاستكبار ومطلب التحرر من عقلية الاستضعاف (3)

وللمزيد من التنكيل بالشعوب التي تتشوف للحرية والمشاركة في تحمل المسؤولية، هاهم رموز الاستبداد العربي يتحدّون مشاعرها، ويطعنون في مبادئها الدينية والقومية، ويضربون بمقومات التاريخ والجغرافيا عرض الحائط، وذلك بارتمائهم في أحضان مَن احتل أرض فلسطين، واستولى على مقدسات الأمة، وقتل الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين بقوة السلاح ولا يزال. كل هذا يقع، والشعوب لم تتّضح لها الرؤية، ولم تستجمع قُوَاها بعدُ، لترفع التحديات من أجل التحرر واستعادة المبادرة المسؤولة لبناء الأوطان على أساس المبدأ السامي للحرية، والانطلاق في إعادة وحدة الأمة ونهضتها.

فماهي التحديات التي تقف أمام توسيع دائرة الوعي التحرري في بلداننا؟

ما العمل لفضح مخططات تخدير الشعوب، وتمييع وعيها، واستباحة استعبادها واستغلالها؟

أي دور للمثقفين؟  للمفكرين؟ للسياسيين؟  للحقوقيين؟  للدعاة…؟

 كيف يتم توحيد جهود الفاعلين الرامية إلى تعرية الوعي الزائف؟

متى ترقى النخب في بلداننا إلى حوار يذلل الخلافات وصولا إلى تحويل ميزان القوى لصالح الشعوب؟

كيف يتم إنجاح العمل على المشترك بين المكونات المنحازة إلى الشعوب، مع الحفاظ على الخصائص الذاتية لكل مكون؟

 ماهي أنجع الخطابات والأساليب للتأثير إيجابا على الجماهير؟

 كيف تتم إعادة الأمل في الانعتاق والتحرر، وطرد الإحساس الكاذب بهزيمة الشعوب؟

ما السبيل إلى بث وعي تحرري يجنب الشعوب كل هزة عنيفة هي في غنى عنها؟

أسئلة من بين أخرى نطرحها بغية الإسهام في تأطير أي نقاش جاد تتصدى له الأقلام الحرة، أو أصحاب الضمائر الحيّة الغيورون على أوطاننا بغية ترجمة نتائجه أفعالا على أرض الواقع، أو حتى التنظيمات الفاعلة في مجتمعاتنا، التي تسعى إلى التغيير وتؤمن بضرورة الفعل المشترك على أرضية صلبة تتأسس على ميثاق يوحد التصور، ويحدد المراحل، ويرسم الخطط، ويوزع المهام، مع التغليب التام لمصلحة الأوطان على المصلحة الخاصة، وتجنب عدم الوقوف عند منتصف الطريق، فالحرية لا تقبل التجزيئ.

طالع أيضا  الأمة بين واقع الاستكبار ومطلب التحرر من عقلية الاستضعاف (1)