أوضح الأستاذ منير الجوري المستشار والخبير التربوي أن التعليم عن بعد ليس مجرد نقل للتعليم الحضوري إلى شاشة فضائية، مشددا على أنه يتمتع بمقومات مرتبطة بما هو بيداغوجي وما هو تربوي، مرتبطة بمنطق الصوت والصورة والتأثير في المتلقي بطريق غير مباشر.

ولفت الخبير في قضايا التربية والتعليم في معرض حديثه عن قضايا التعليم في برنامج ضيف الشاهد، الذي ينشطه محمد الإبراهيمي في قناة الشاهد الإلكترونية، إلى أن الوزارة لم تكن مهيأة لكثير من الأمور الأساسية لهذا الورش، بما في ذلك أطر الوزارة الذين لم يتلقوا تكوينا في هذا المجال بشكل يؤهلهم لأداء التعليم عن بعد بالمقومات التي ينبغي أن يكون عليه حتى نسميه تعليما عن بعد.

 وحصيلة ذلك يقول المتحدث “أننا كنا إزاء شيء يشبه التعليم عن بعد نتج عنه إشكالان كبيران ينبغي معالجتهما سريعا”. الأول هو ضعف أو انعدام التحصيل الدراسي في هذه المرحلة، ووقع هدر مدرسي ودراسي كبير في المرحلة منذ مارس والوزارة بنفسها اعترفت بطريقة ما بهذا الهدر عندما لم تعتمد الدروس المدرسة في التعليم عن بعد في الامتحانات.

أما الإشكال الثاني الذي طرح أيضا يضيف الجوري “هو تكافؤ الفرص، فقد ظهرت تفاوتات كبيرة جدا على المستويات الاجتماعية والمجالية والدراسية التي جعلت المدرسة لم يعد ذلك المكان الذي يحقق تكافؤ الفرص بين أبناء المغاربة”.

وذهب المتحدث إلى أن المنظومة التعليمية قبيل هجوم الجائحة كانت تحكمها سياقات، أهمها أنها خاضعة لدورة إصلاحية بعدما فشلت مجموعة من الإصلاحات السابقة، وبالتالي يفترض أنها في مرحلة تتعافى من فشل متعاقب، كما يحكمها سياق الوضع الذي يميز الأسرة المغربية؛ وهو وضع اقتصادي هش ووضع اجتماعي مهتز كما تحدثت عن ذلك الكثير من التقارير، والمستوى التعليمي للكثير من الأسر المغربية هو في عمومه متواضع.

طالع أيضا  في مآلات المشهد الدولي بعد كورونا

أما السياق الآخر الذي كنا فيه يضيف الجوري “فكان لدينا نوع من الفوضى في مجال الرقمة في التعليم، الذي كان عبارة عن اجتهادات موجودة في الفضاء الرقمي وفيها اجتهادات للأطر التربوية وأطر لا علاقة لها بالميدان وكانوا ينشطون داخل هذا الفضاء الرقمي، إذن وسط هذا الوضع كله جاءت الجائحة بشكل مفاجئ فلم يكن أمام الوزارة من خيار للاستمرار في العملية البيداغوجية إلا اللجوء إلى خيار التعليم عن بعد الذي عرفته عدة دول في العالم”.

لكن هذا الواقع الذي فرض لم يجد بيئة تربوية واجتماعية تجعله يؤدي أدواره ويعوض التعليم الحضوري ولو في أدنى مستوياته، وفق ما ذهب إليه المتحدث.

 وفي تقييمه لتدبير الدولة لهذا القطاع يعتقد الجوري متأسفا أنها تخلت عن دعم المدرسة العمومية، “وهي حقيقة كنا نتابعها من قبل لكن الجائحة كانت بمثابة امتحان، وما حدث هو أن الدولة رفعت يدها عن التعليم وتركته للوزارة، تركته لمنظومة هشة بكل أطرها وإمكانياتها الضعيفة”، مردفا أن الدولة كانت مهتمة بأمور أخرى ولم تحفظ للمدرسة العمومية حقها ولم تسعَ وراء تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، وبالتالي فالدولة لم تكن في مستوى المرحلة وفشلت في هذا الامتحان.

وفي قراءته للبلاغ الأخير لوزارة التعليم، اعتبر الجوري أنه فصل جديد ضمن مسار عرفه الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تطور الوباء داخل المغرب ويحمّل المواطن بشكل من الأشكال المسؤولية عن هذا التطور، لذلك عندما جاء البلاغ يقول الجوري؛ وترك الاختيار للآباء “كأنه يضع مسؤولية كبيرة من حجم مسؤولية قطاع التعليم بين يدي اختيارات الأسر لكي يتحمل مسؤوليتها وفي اعتقادي لا ينبغي أن تترك بهذا الشكل لأننا نتحدث عن قطاع يؤطر أكثر من 11 مليون مغربي”.

مسألة أخرى برزت في البلاغ في اعتبار الخبير التربوي “وكأن الوزارة عاشت نوعا من الانتظارية خلال هذه الفترة” وإن كانت تعول على التعليم الحضوري وأن تعود الأمور إلى طبيعتها أو كانت تعتقد أن التعليم عن بعد مجرد قرار يمكن أن يتخذ في أي لحظة، ولم تعد العدة الكافية للسيناريوهات التي رسمتها وعبر عنها وزير التعليم من قبل.

طالع أيضا  مع الأستاذ ركراكي.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (1)

ولفت الجوري إلى أن التلميذ كان سيستفيد لو كان التعليم عن بعد بنفس الجودة التي يحصلها عندما كان حاضرا أما الطريقة التي أقرها البيان، ونعلم أن القاعدة الأساسية هي التعليم الحضوري، وأن التعليم عن بعد لا يمكن أبدا أن يعوض التعليم الحضوري، “وبالتالي يكون البلاغ قد أسس لنوع جديد من التفاوتات المدرسية لأننا سنكون أمام تلميذ يحضر ويتلقى الدرس وتلميذ آخر يتلقاه عن بعد بمستوى أقل وبطريقة أقل تأثيرا وأقل فائدة، وفي نهاية الأمر سيسمى بأن هذا اختيار الآباء واختيار التلاميذ”.

ووصف الجوري قرار تأجيل الامتحان الجهوي لتلاميذ السنة الأولى بكالوريا بأنه “قرار متسرع ولم يأخذ حقه من التمحيص ودراسة كل ما سيترتب عليه”.

وفي نظر الجوري فإن هذه الامتحانات لا ينبغي أن تتجاوز شهر شتنبر أو بداية شهر أكتوبر، لكي يتسنى للتلاميذ الدخول إلى السنة الثانية بكالوريا وقد أنهوا السنة التي قبلها، وأشار المتحدث إلى الإشكالات الإدارية والقانونية التي ستترتب عن تأجيل هذا الامتحان.

وعن مقبولية الخطأ من قبل الوزارة في زمن الطوارئ، علق الجوري بقوله: “عندما نتحدث عن الارتباك نتحدث عن المرحلة الفجائية، لذلك عندما بدأت الجائحة في مارس لم يكن هناك أي انتقاد كبير للإجراءات المتخذة حينها، صحيح أنه كانت هناك تنبيهات هنا وهناك، لكن كاد أن يكون إجماع بأنها قرارات ليس بالإمكان أكثر منها، بالرغم من أن الارتجال كان باديا عليها ولم يكن فيها إشراك الفاعل المدني والفاعل النقابي لكنها كانت مبررة إلى حد ما”.

لكننا اليوم يضيف الجوري: “نتحدث عن مرور أكثر من خمسة أشهر على انطلاق الجائحة، ونتحدث عن توجيهات منظمة الصحة العالمية وعن لجنة تتبع الوضع الصحي في المغرب ولديها استشرافات، ونرى الوزارة تعيش هذه الانتظارية القاتلة وليست مهيأة لا على المستوى إفراز تصورات منطقية ومعقولة تستحضر أساسا مقومات منظومة تربوية محترمة تستهدف أبناء المغاربة، بشكل متواز، ولا من حيث الإعداد اللوجستي والمادي والبيداغوجي المرتبط بالمواد والمناهج الدراسية التي ينبغي أن تخضع لنوع من المراجعة والتخفيف والإبقاء على الأساسي والمهم فيها”.

طالع أيضا  وباء كورونا.. إضاءات الإبصار ومشاهد الاعتبار

وتابع الجوري “أعتقد أن هذه المرحلة كلها كانت كافية لذلك لكن الوزارة الآن ألقت بالكرة بين يدي المؤسسات التعليمية والمديريات الإقليمية ونحن نعلم إلى أي حد يمكن لهذه البنيات التربوية أن تبلور تصورات في ظل عدم الإمكانيات وضبابية المعلومة ومجتمع غير مساعد”.