(1)

ما الذي يمكن أن تفعله عندما يُفرض عليك حِجرا في بيتك، وتُخوّف ـ بكل أنواع الوسائل ـ بأن خروجك بغير سبب مؤذٍ لك ولكل أفراد أسرتك؟

طبعا، لن تفكر كثيرا إذا كنت صاحب هواية، بينما الوقت الذي تقضيه في العمل يقف حاجزا أمام اختلائك ـ لوقت طويل ـ بمن تهوى وتحب، بل ستسارع للارتماء في أحضان معشوقتك غير مصدق أن الشواغل قد زالت، وإن لوقت قصير.

من أجمل النّعم التي يمكن أن يخصّك الله تعالى بها هي الانسجام ـ ولم لا التّماهي ـ بين “شغلك الخبزي” وهوايتك، فهنا يحلو الإنجاز ويزهر الإبداع، أما إذا كانت وظيفتك في واد وهوايتك في آخر فحسرتك ـ لا شك ـ مُقطّعة كبدك!

(2)

عندما أعلن، منتصف مارس 2020، عن سريان الحجر الصّحّيّ تخوُّفا من تفشي وباء كورونا، وجدتُ الفرصة مناسبة في الجلوس إلى نفسي كي أعيد النظر في عدد من الأمور التي كانت تحتاج إلى مزيد تنظيم في حياتي: تربويا واجتماعيا وعلميا. وقد حسمتُ في اختيارات انتظرتْ طويلا دورَها في الحل، وكنتُ كلّ مرة أأجل النظر فيها لاعتبارات متشابكة. لقد اقتنصتُ المناسبة وكنتُ إيجابيا في طريقة التعامل مع الأزمة، وهذه هي المرة الأولى التي أحسّ أنني استفدتُ مما يسمى بكتب “التنمية البشرية”!!

ما يهمنا هنا هو الحديث حول كتاب أعتبره من أحسن ما قرأتُ خلال مدة هذا الحجر، وهذا يعني أني سأكون في سعة من أمري، مادام الأمر يتعلق بالذوق والاختيار الشخصيين.

(3)

السياق يدفعني أن أشير إلى أني لا ألتزم بتخصص معين في مقروآتي، ولا بأسلوب معين، وإنما أقرأ ـ أولا ـ حسب السؤال الذي يشاغب في رأسي، ومن ثمّ  فإني أبحث عن مشاريع ومقترحات إجابات في كتابات مختلفة. بمعنى أني قد أفتش عن إجابات سؤال سياسي بين متعة الروايات والقصص، وهذا مفيد جدا، لأن الأدب في كثير من الأحيان يستطيع أن يقول ما لا يستطيعه الفكر ولا السياسة.

طالع أيضا  الدكتور الفراك يُقدّم لنا عصارة كتاب "زبدة الحقائق" في أصول الدين

وقد أقرأ ـ ثانيا ـ تحت تأثير إصدار جديد، فالجديد له سلطة على المثقف، خاصة إذا كان الموضوع مثيرا، أو كان الكاتب ممن تنتظر إطلالتهم وتثق في تقديراتهم.

أما القراءة بتوصية من أحد الأصدقاء الذين أطمئن إلى ذوقهم فلها نسبة معتبرة من وقتي القرائي. دون أن ننسى ـ طبعا ـ الجلوس بين يدي الأدب: شعرا وسردا.

الأدب عامة يعلمك أن تكون صاحب الأسلوب وبصمة شخصية في الكتابة، والشعر يُربّي فيك الإحساس بالجمال والاستمتاع به. وإني لأجاهد نفسي ما وسعني الجهد كي أطالع كتبا قليلة الماء، كما كان يقول النقاد القداما، وكان يمكن أن تكون أكثر مقبولية: فائدة ومتعة، لو عُسّلَتْ أفكارها وصيغت بأسلوب فيه رَواء، ولم تُقدّم بشكل جاف.

(4)

كتبٌ كثيرة تلك التي جلستُ بين يديها تلميذا مؤدبا خلال هذه الشهور، والجميل أن جميعها لم تخيّب ظني في عطائها؛ فقد اخترتها بعناية شديدة، ويبقى كتاب “تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين” الأكثر فائدة بالنسبة لي من بين أكثر من ثلاثين مُؤلّفا مرّ بين يديّ.

الكتاب مُجلّد ضخم يقع في حوالي 670 صفحة، صدرت طبعته العربية الأولى، عن دار الشروق العريقة، سنة 2016، وقد حرره ـ في لغته الأصلية ـ كل من سيرجيو بيطار، مهندس واقتصادي وسياسي ومعتقل سياسي، وأكاديمي من الشيلي، كان وزيرا أثناء فترة رئاسة أليندي. وكذا أبراهام لوينثال، وهو أكاديمي، وصاحب برنامج في مركز دولي متعلق بالسياسة الدولية، واسمه متداول بين المختصين في الحكم الديمقراطي. وقد كتب مقدمته ـ في نسخته العربية ـ الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، الذي تحدث من موقع المُجرّْب، وخلص إلى نتائج معتبرة.

الكتاب عبارة عن حوارات مطولة مع أكثر من خمسة عشر من السياسيين الذين ساهموا في تجارب الانتقال الديمقراطي حول العالم، وأصبح أغلبهم ـ فيما بعد ـ رؤساء لبلدانهم، وقد أشرفتْ على إعداد هذه الحوارات، باحترافية عالية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات التي يقع مقرها الرئيسي في السويد، وتعمل ـ حسب تعريفها بنفسها ـ على “دعم المؤسسات والعمليات الديمقراطية، وإرساء ديمقراطية تتمتع بقدر أكبر من الاستدامة والفعالية والشرعية”.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال العدالة الانتقالية 5/1

(5)

مجموع الشهادات الحية التي يقدمها هذا الكتاب تؤكد على الدور الرئيسي الذي يلعبه القادة السياسيون في تقرير حصيلة المراحل الانتقالية؛ فإذا كانت الديمقراطية عمليات شاملة، فإن الانتقال إليها هي أيضا قرارات حاسمة يقع اتخاذها على عاتق الشخص الموجود في القمة، أي أنها تعتمد على شخص واحد.

الكتاب محاورات حول الأسئلة السياسية الكبرى والحارقة التي تواجه أي طامح لانتقال ديمقراطي حقيقي، من قبيل:

كيف تنظم القوى السياسية والاجتماعية المنقسمة وتوحدها في مواجهة نظام حكم استبدادي؟

ما السبيل إلى دعم التوجه داخل أي نظام استبدادي نحو الانفتاح السياسي؟

وكيف تصاغ التسويات العملية بين قوى المعارضة المختلفة؟ وإن أمكن بينها وبين عناصر النظام القديم؟

وما الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني واللاعبين الدوليين؟

كيف يمكن إحكام السيطرة المدنية على الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات؟

وكيف يتم التوازن بين الحاجة إلى العدالة الانتقالية والعدالة التصالحية وبين ضرورة التعايش مع الخصوم السابقين؟

وكيف تعزز الثقة وتجذب الاستثمارات من قطاع الأعمال وتستجيب في الوقت ذاته للمطالب والتطلعات الشعبية للعدالة وإعادة توزيع الثروة؟

كيف تخلق التوافق حول المبادئ الدستورية والإجراءات الانتخابية؟

ما يميز إجابات هؤلاء السياسيين عن غيرهم من الأكاديميين الذين كتبوا في نفس الموضوع ميسم خاص بارز، أقصد “الحكمة السياسية المجربة”، وهذا بالضبط ما جعلني أقرأ هذا المتن الضخم بحماسة ورغبة عارمتين في التلمذة.

إذا جاز لنا أن نلخص شهادة هؤلاء القادة السياسيين في مقولة سياسية واحدة فإننا لن نختار أفضل من دعوتهم المتكرر لضرورة العمل بمنطق الحوار والتوافقات لكل من أراد أن يُنجح انتقال بلاده نحو الديمقراطية دون عنف.