في الحلقة الرابعة من سلسلة “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يقربنا الباحث محسن اليزيدي من كتاب الصحفي الفرنسي جون بيير توكوا Le Dernier Roi. Crépuscule d’une dynastie “آخر ملك. أفول سلالة ملكية”.

هذا نص الحوار:

ما هو أهم كتاب قرأته منذ بداية الحجر الصحي إلى الآن؟ ولماذا تعتبره الأهم؟

من أهم ما قرأتُ بفضل الله تعالى خلال فترة الحجر الصحي كتابا باللغة الفرنسية صدر سنة 2001 عن دار النشر الفرنسية غراسي (Grasset) عنوانُه : Le Dernier Roi. Crépuscule d’une dynastie

لا تسأل عن الترجمة العربية للكتاب التي لا توجد، فجواب الناشرين في هذه الحالة: أين القارئ العربي؟ وهل يوجد في بلدان العرب شيء اسمه حرية التعبير؟ أُترجمُ إذن العنوان بما يلي: “آخر ملك. أفول سلالة ملكية”.

مؤلف الكتاب هو الصحفي الفرنسي جون بيير توكوا (Jean-pierre Tuquoi ) المزداد سنة 1952، وهو مختص في شؤون المغرب الأقصى، المغرب العربي وفق الإصطلاح الحديث. وقد لقي الكتاب الذي يُعتبر من أهم كُتبه نجاحا كبيرا فور صدوره.

أهميةُ الكتاب بالنسبة لي تكمُن في طبيعة الموضوع.. إنه مستقبل بلد، ومصير شعب. كما تكمُن بعضُ أهميته في جنسية الكاتب، فليس يوجد في الأجانب من هم أدرى بشِعاب الرباط من الفرنسيين للأسباب السياسية والتاريخية المعروفة.

ما هي الإشكالية الجوهرية التي يعالجها الكتاب؟

يناقش الكتاب من خلال فحص دقيق للسنتين الأوليين من حكم الملك محمد السادس إشكالية الحُكم في المغرب الذي طالت أزْمتُه، فأثرت على سائر مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد اعتمد الكاتب في بناء آرائه وخلاصاته التي تُنذر كلها بالشُؤم على تحقيقاته الصحفية لفائدة صحيفة لوموند (Le Monde) الذائعة الصيت، وعلى شهادات حيّة لموظفين كبار في القصر الملكي، ومسؤولين حكوميين، وأطر عليا في جهاز الدولة، دون أن يُفصح عن أسماء معظمهم بطلبٍ منهم. 

طالع أيضا  "أيام الأمازيغ".. الخزروني يطلعنا على كتاب شيق يبسط علاقة الأمازيع بالدين

واعتبر الصحفي الفرنسي أن الشعب المغربي، الذي عاش القهر البوليسي تحت حكم الحسن الثاني والذي يُعَدُّ من أفقر شعوب المنطقة، علّق آمالا حقيقية على الملك الجديد عند اعتلائه العرش، وأن الطبقة السياسية المغربية وجلّ المثقفين صفّقوا بحرارة لمُعظم قراراته مثل: إقالة وزير الداخلية إدريس البصري رمز سنوات الرصاص، السماح بعودة المناضل المطرود أبراهام السرفاتي، رفع الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين، تعيين ناطق رسمي باسم القصر الملكي… كما قال الكاتب أن عامة الشعب استحسنت سلوك الملك “المتواضع” الذي يقود سيارتَه بنفسه، ويقف في الضوء الأحمر، ويلبس أحيانا ما يلبس أبناءُ جيله، ويوزع الطعام على المُعوزين، ويتزوج مثل سائر الناس.. غير أن كل هذه الآمال، وفقا لتحليله، بدأت تتلاشى ليحلّ محلها اليأس، في غياب قرارات حقيقية واضحة تُنهي الاستبداد، وتضع قطار المغرب على سكة الديموقراطية والتنمية، وتضع حدا لاحتكار منابع الثروة. ورأى الكاتب في الختام أن حفل البيعة الأول الذي جرى يوم 31 يوليوز من سنة 2000، بركوعه وطقوسه البالية، كان علامة واضحة ودلالة قوية على أن الحُكم لم يتغير، وأن النظام المخزني مستمر بالأساليب والرؤى نفسها، لكن بمسميات أخرى وتأثيث جديد.

ما هي الأفكار التي استفدتها منه وتودّ مشاركتها مع القراء؟

الكتاب ليس عملا فكريا بالمعنى الأكاديمي، إنه عمل صحفي يرتكز على قراءة الأحداث ذات الطابع السياسي التي عرفها المغرب في السنتين الأوليين من حكم الملك محمد السادس لاستشراف المستقبل والمآل. كما أنه ثمرة بحث دقيق عميق عن الخبر والمعلومة التي تُعين على تفكيك آليات صنع القرار في المغرب وفهم سياسة القائمين على شؤونه. وقد ضم الكتاب بين دَفّتيْه كمّا هائلا من المعلومات عن الحياة داخل القصر منذ عهد الحسن الثاني، وعن مُحيط الملك الحالي، وعن علاقاته، وميوله، وتربيته، ودراسته، وعن بعض مظاهر الاستبداد والترف في القصر. 

طالع أيضا  المغراوي يقربنا من كتاب "20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب"

وبديهي أن هناك أفكارا تُستنبط من سطور الكتاب… في رأيي، كلُّ من قرأ هذا الكتاب الشيّق يخرج منه لا بد بفكرتين رئيسيتين: 

– الأولى أن الحُكم المطلق مفسدة كبرى، بل أُمّ المفاسد، وعواقبُه وخيمة، لأنه ببساطة كل المجالات خاضعة لمنطقه، وأسلوبه، ورؤيته، ونمط تفكيره، ورجاله. ولمّا كان اختلاف الناس من طبيعة البشر وسُنّة كونية، فإن احتكار السلطة وسط أي شعب خَنْقٌ لروح الإبداع فيه، ووَأدٌ للمنافسة الاقتصادية رافعة الإنتاج وحافز الابتكار، ومدعاةٌ لبروز تيارات مناهضة لا تجد عن العنف بديلا، وإقصاءٌ لخبرات ومواهب وعبقريات تختلف أفكارها وتصوُّراتُها عن أفكار وتصورات أصحاب الحُكم، وقهرٌ لنفوس بشرية عزيزة لا تطيبُ ولا يستقيم سلوكُها سوى باستنشاق هَواء الحُرية والتعدُّدية والانعتاق. 

– الفكرة الثانية هي أن فترة انتقال السلطة في نظام سياسي استبدادي هي فترة تثبيت للحُكم، وتوطيد لأركانه، وإعلاء وصناعة لرِجاله الجُدُد بالدعاية الفكرية والدجل الإعلامي؛ إنها فترة خداع، وتضليل، وتبليد، وتنويم، وجس نبض. ولأن الانتظارات تكون غالبا كبيرة تُصدِر السلطة الجديدة قرارات جريئة ترومُ إظهارَ الرغبة في إحداث قطيعة مع الماضي، وطي صفحة الحُكم السابق المكروه، فينبعث الناس لتأييد العهد الجديد والتغنّي بشعاراته وأناشيده، حتى إذا هدأت الأمور، واستَتَبَّ الأمنُ، وأَحْكمتِ القيادةُ الجديدةُ قبضتَها على مقاليد السلطة في البلاد، عادت إلى عهد سابقتها، أي وفقا لواقع الأمر إلى ما تربّت عليه، ونشأت في حِضنه وكَنَفِه. وذلك لأن مركز الحُكم والقرار لم يتغير، إنما تغيّرت الوجوه. 

أرجو لكم قراءة مُمتعة.