تحدث الدكتور عمر أمكاسو عن البذل وأهميته، في حلقة أخرى من حلقات تذكرة الجمعة التي تبثها قناة الشاهد أسبوعيا، لمؤانسة المشاهدين والمشاهدات بعد غياب طويل لخطب الجمعة المباركة عن المساجد بسبب ظروف جائحة كوفيد 19. 

واختار عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن يكون موضوع حديثه خصلة من أهم خصال الإيمان ولها أهمية كبرى في السلوك الفردي والجماعي ألا وهي خصلة البذل، فهي تطهّر من شحّ النفس وأهوائها، كما أنها في نفس الوقت تساهم في تحقيق التوازن الاجتماعي الكفيل بإشاعة قيم التآزر والتعاون في المجتمع.

وابتدأ المتحدث بتعريف البذل لغةً كما جاء في لسان العرب وهو ضدُّ المنع، وبذله أي أعطاه وجاد به، وكلّ من طابت نفسهُ بإعطاءٍ فهو شيء باذلٌ له.

أما في الشرع فهو اصطناع المعروف وفعل الخير وإسداؤه للغير، سواء كان هذا الخير مادياً أو معنويا. ويمكن القول أيضاً أن البذل هو كل معروف يتجاوز الفرد إلى الغير وهو كلمة جامعة لكل معاني العطاء والإنفاق والإيثار ومانعة لكل معاني الشح والبخل والمنّ والقعود والدعة والتواكل.

وينضوي البذل ضمن الخصال الإيمانية وهي رابع الخصال العشر التي جمعها الإمام عبد السلام ياسين، وتندرج تحته خمس شعب وهي الزكاة والصدقة – الكرم والنفقة في سبيل الله – إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين – إطعام الطعام وآدابه – قسمة المال. وتشكل هذه الشعب الخمس أساساً لحل المشكل الاجتماعي والسياسي في المجتمع، مشكل الظلم وقسمة المال والفقر.

وقد جاء البذل في القرآن الكريم في آيات كثيرة وبمعانٍ متنوعة ذكر منها الأستاذ أمكاسو قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وقوله في نفس السورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

وقوله سبحانه في نفس المعنى في سورة المنافقون: وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

وزاد المتحدث في بسط موضوعه بالقول إن الصحابة رضي الله عنهم الذين تربّوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سرعان ما استجابوا لهذه النداءات القرآنية، فمثلا لمّا نزل قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ جاء في تفسير القرطبي: “روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: لمّا نزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة رضي الله عنه: إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله (كانت له أرضٌ يحبُّها فتصدّق بها لله). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبي بن كعب… وكذلك فعل زيد بن حارثة رضي الله عنه، عمد مما يُحبّ إلى فرس يقال له “سُبُل” وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا في سبيل الله“. وغيرها كثيرة من القصص التي كانت للصحابة مع البذل.

طالع أيضا  الحياة الطيبة | 10 | الدعاء

وانتقل أمكاسو إلى السنة الشريفة التي نجد بها أحاديث كثيرة كلها يحثّ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على معاني البذل؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنه قال: “أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيّ الناس أحبُّ إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ. وقد صحح الحديث كثير من الأئمة.

ونجد في الحديث، يوضح الدكتور أمكاسو، أن أحبّ الناس إلى الله عز وجل أنفعهم لخلقه، الذين يتعدى خيرهم نفسهم إلى غيرهم. ثم إن العمل المحبوب عند الله هو إدخال السرور على قلوب الناس عامة الناس، مؤمنهم وغير المؤمن.