انتفاضة الخبر

بينما الأستاذ ياسين يكابد الاعتقال في زنزانة انفرادية، ببردها ورطوبتها وجوعها وعطشها وسهرها، ثمنا لانتقاده الأوضاع المزرية في المغرب، وتحميله المسؤولية للنظام، وتحذيره من عواقب تجاهله لمطالب الشعب، اندلعت أحداث “انتفاضة الخبز” يوم 19 يناير 1984م بمراكش والشمال ووجدة، وعرَّت الواقع الاجتماعي المغربي إذ عبرت عن المعاناة التي يعيشها المواطنون، والتي أججتها الزيادة في الأسعار في المواد الأساسية بسبب إخضاع الاقتصاد لسياسة التقويم الهيكلي المرتكزة على التقشف، في مقابل تفشي البطالة في صفوف الشباب، وانتشار السكن في مدن القصدير، وتدني الخدمات الصحية… لكن النظام تعامل معها بنفس الطريقة التي قابل بها احتجاجات الدار البيضاء في يونيو 1981م، وذلك بإنزال الجيش بدباباته إلى الشارع وقمع الاحتجاجات بالسلاح.

 أُعطيت التعليمات للجيش لكي يستعمل الرصاص الحي ويقتل كل من وجد أمامه، فسالت دماء المغاربة بسخاء في عدد من المدن المغربية، وسقط مئات القتلى من الشباب، خاصة في الحسيمة والناظور وتطوان والقصر الكبير، وهناك من تحدث عن وجود مقابر جماعية لهؤلاء القتلى، حيث تم اكتشاف مقبرة جماعية بثكنة الوقاية المدنية بالناظور يوم 28 أبريل 2008م، بعد مرور 24 سنة عن قتلهم، واستخرجت منها 16 جثة، وتمت إعادة دفنها في مقبرة “سيدي سالم”، (الصورة). وعلى قبور المجهولين منهم تجد عبارة “وفاة خلال أحداث الناظور الأليمة سنة 1984، وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

بالعنف الأعمى انتشر الهلع والترهيب في كل بيت بمدن المغرب وقراه، ونعت الحسن الثاني سكان الشمال بــ”الأوباش”، قائلا يوم 22 يناير 1984: “وصلنا لهاد الحد. بواسطة إما الأطفال أو الأوباش. الأوباش الناظور، الحسيمة، تطوان، القصر الكبير، الأوباش العاطلين اللي عايشين بالتهريب والسرقة”، واتهم الكيان الصهيوني وإيران الخميني بوقوفهما وراء الأحداث! لتخوفهما من انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي بمدينة الدار البيضاء ونجاحه في جمع شمل الدول الإسلامية! خاصة وأن الانتفاضة اندلعت في الوقت الذي انطلقت فيه أشغال المؤتمر. كما اتهم أيضا المنظمات الماركسية اللينينية التي تتبنى العنف خيارا للتغيير.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -5-

قُتل من قُتل، واعتُقل آلاف الشباب من التلاميذ والطلبة والعاطلين والحرفيين الصغار والباعة المتجولين، وقُدم المئات منهم إلى محاكمات صورية حضرت فيها التعليمات وغابت العدالة. وفُرض حظر التجول على الجميع وكل من خرج من بيته يُقتل رميا بالرصاص. وتبودل العنف بالعنف. ولا تزال لتلك الأحداث الدامية آثارها النفسية والاقتصادية والسياسية على المنطقة عموما وفي ذاكرة العائلات التي فقدت أبناءها على وجه الخصوص.

محاكمة في ظروف قاسية
في هذه الظروف الكالحة كان موعد الأستاذ ياسين -الذي يرفض العنف مبدئيا- مع أولى جلسات المحاكمة بالمحكمة الابتدائية في مدينة سلا، ثم الجلسة الثانية في فبراير من نفس السنة، حيث عرفت لحظة المحاكمة حضورا مكثفا لأعضاء الجماعة، غير أن السلطة عمدت ألا تُحضر الأستاذ في الموعدين معا، واختارت أن تُحضر وسائل العنف “الهراوات” كالعادة لتقمع الحاضرين، وتعتقل 72 عضوا منهم وتعتدي عليهم بالضرب والسبِّ والشتم… فلا جلسة المحاكمة انعقدت ولا الناس رجعوا سالمين إلى بيوتهم.

وفي المرة الثالثة أعلنت السلطة عن تاريخ المحاكمة في يوم 23 مارس 1984، غير أنها لم تُحضر المتهم مرة أخرى إلى قاعة الحكم، وفضلت أن تتكتم على الأمر وتمنع انتشار الخبر في الإعلام، لكن الخبر قد تفلَّت من قبضتها وانتقل بسرعة عبر بعض القنوات الإخبارية الأوربية (مثل إذاعة لندن وBBC)، كما نُشر أيضا عبر مجلة “المجتمع” الكويتية، بل تناقله السجناء في زنازينهم كما تناقلوا مضمون رسالة “الإسلام أو الطوفان”، بحسب ما ذكره المعتقل السياسي السابق ادريس ولد القابلة، في مذكرات الاعتقال السياسي، حيث قال: “هكذا كان لقائي مع بعض أفكار عبد السلام ياسين داخل غياهب السجن السري حيث كانت تكتم أنفاس الإنسان وتحاصر”. وحضر الناس كالعادة، وضمنهم نساء، قصد مؤازرة الأستاذ المعتقل ومتابعة أطوار المحاكمة في مغرب الثمانينيات، فاعتُقل 80 عضوا. وتأجلت المحاكمة.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -3-

تتمة المقال على موقع ياسين نت.