يقول ربنا سبحانه في سورة الأنفال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30).

هكذا خطط الكافرون في جنح الظلام، اجتمع صناديدهم في دار الندوة سرّا، وبيّتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرّا.

لمّا شاع خبر إسلام عدد من الأوس والخزرج، واستقبلوا المؤمنين في المدينة، واحتضنوا الدعوة الجديدة وعزموا على الانتماء إليها ونصرتها، جُنّ جنون قريش ومن حولها من أعداء الدين الجديد. فكان لا بد من عقد اجتماعات طارئة لتدارس الوضع الذي أضحى مقلقا، ولاتخاذ تدابير احتياطية ووقائية لمنع انتشار هذا الدين الذي يهدّد مصالح المفسدين والمستبدين، ويضرب في العمق عقيدة الآباء والأجداد.

من كان حاضرا بالضبط…؟

لا يمكننا الجزم بمن حضر، القرآن يقول “الذين كفروا”.

القرشيون كانوا حاضرين…

بعض القبائل المجاورة الحليفة لقريش كانت حاضرة…

ألا يمكن أن يكون ممن حضر أيضا بعض المعارضين من الأوس والخزرج؟

ألا يمكن كذلك أن تحضر القبائل اليهودية الثلاث المستقرة في المدينة، والتي تعادي بشكل كبير هذه الدعوة ونبيها، والتي ستتضرر كثيرا بدخول المسلمين إلى المدينة واستيطانها.

المهم أنهم اجتمعوا وتآمروا وفكروا وقرروا… كل هذا تمّ في السر…

مكر كبير، وخبث خطير، وخطة جهنمية لاحتواء الوضع والسيطرة عليه…

سنقتل نبيهم هذا بضربة واحدة من عشرة رجال كل واحد منهم من قبيلة، هكذا يتفرق دمه بين القبائل، فلا يستطيع قومه مجابهة الكلّ فيقبلون الدّية فنعطيهم إياها… وانتهى الأمر.

ومكروا مكرهم وعند الله مكرهم.

 عجبا… أين ضيّع المسلمون يقينهم؟ كيف اهتزت ثقتهم بربّهم؟ متى تخلى عنهم؟ متى ترك الملك الجبار تسيير هذا العالم للخبثاء والمجرمين؟

عجبا… تسمع الناس يقولون إن العائلة الفلانية تنوي أن تفعل بنا كذا، وإن حكام العالم الحقيقيين يريدون الوصول إلى كذا، وهذا الوباء من صنع كذا، والمقصود به التحكم في كل سكان العالم عبر كذا، وسيخضعوننا لكذا…

طالع أيضا  الهجرة النبوية: تخطيط وتدبير

يا فلان… يا أخي…

الكون ليس عبثا، ولا يمكن أن يتركه من خلق كل شيء بقدر عرضة للعبث.

إن ما خططه محور الشرّ في دار الندوة كان في غاية السرّية، وكان المقصود منه ليس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل كانت غايته استئصال الدين الجديد من جذوره، والقضاء على ريحه وروحه.

فهل سلّم الله عزّ وجلّ لهم رسوله؟ هل تركهم يقتلونه…؟ ألم يخرجه من بينهم وهم واقفون ينظرون، في تحدّ سافر لتلك القدرة البشرية الضعيفة، ومخططاتها الواهية؟

إنه الله جل جلاله، ما من حركة في هذا الكون إلا ويعلمها، فإن حدث أمر فبإذنه وعلى عينه، وإن لم يحدث فبإرادته ومشيئته.

وردّ الله كيد الكافرين، وأحبط عملية الاغتيال الدنيئة، وحفظ الله حبيبه ونبيه وعصمه من الناس، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، كن مع الله ترى عجبا…

 الخوف هو أن تظن نفسك معه وأنت لست معه… أما إن كنت حقّا معه… فوالله الذي لا إله غيره لن يخذلك ولن يتركك ولن يكلك لغيره.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.