بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

عاشَ بينَنا بَسْمَةَ فَجْر
ورَحَل عَنّا نَسْمَةَ عَصْر

توطئة

قصيدةٌ في تأبين الغائب الشّاهِد: سيدي “عبد الحميد زرغون” وإنا لله وإنا إليه راجعون.

رحمه الله، وأجزل له النّور والأجر في دار الجزاء بما آسى الجِراح، وواسى البُؤساء، وكان رَمْزَ سابقةٍ وغَناء ومَضاء وصفاء وصدقِ محبّةٍ وولاء. وبما ربّى وجدّ واجتهد واحتضن ونصح، وأفاد وأجاد وعانى وقاسى حتى فاضت روحه الطاهرة نَقِيَّ الإزار، زَكِيَّ السَّرِيرة، شهيدا على فِراش المرض مُبتسِما لما آلَت إليه الأقدار، وتَؤول إليه الأعمار مِن جِنان أعدّها الله للأبرار، وعباده المصطفَيْن الأخيار، وما شئتَ مِن أنهار وثمار، ورفقة وحوض وجوار، وظِلّ ومَنابر وسُرُر لمن حَظوا برؤية مَن لا تُدْرِكه الأبصار.

 رحمه الله، ورزق أهله وذويه وأحبابه وكلّ مَن له صِلَة به الصّبر والسّلوان، وكلّ مَن عليها فانٍ ويبقى وجهُ ربّك ذو الجلال والإكرام.

عاشَ بينَنا بَسْمَةَ فَجْر
ورَحَل عَنّا نَسْمَةَ عَصْر

“زَرْغون” يـا بَسمة فـي عَــزل مُبتَئِس … “زرغون” يا نَسْمة في حَجْرِ مُنْحَبِس
رحَـلْـتَ عـنّـا ودَمْـعُ الـعَـيْــنِ سُـلْـوَتُـنـا … والقلبُ في حُزْنِهِ ثَوْبَ الحِدادِ كُسِـــي
لا مِن عَزاء سِوى دَرْءُ الأَسى بِرِضـى … ومَن يَبِتْ شاكِرا بعد الرِّضاء نَســي
أنْـسـاهُ مــولاه هَــمَّ الـفَـقْـدِ فـانْـقَـشَـعَـتْ … غُيـوم أحـزانِه لــم يَبْـقَ مِـن هَـــوَس
والشُّـكْـرُ يُـنْسـي ضَـنى المـكلومِ يُخْبِرُه … أنّ الفقيد لَفي أُنْـسٍ مَعَ العُـــــــــرُس 

**

فــي جــنّة الــخُـلْـدِ فـي رَغْـدٍ بِـلا كَـدَر … مَعْ ثُلّة صفـوة مِن ساكِنــي الحُـجَـر
في رُفقةِ المصطفى والصَّحْبِ والشُّهَدا … فالسُّقْمُ يُعْلــي مَقـامَ الـمــرءِ للـظَّفَــر
بِـما يَـعِـزّ عـلـى الأبـطـال تُـدْرِكُـــــــه … فوقَ الرّواحِلِ مِنْ نوقٍ ومِنْ فُــرُس
مــا كـان سُـقْـمـاً بَـرى شَـهْـمـاً وتوَّجَهُ … بـتـاج راض بـمـا يـأتـي مِـن الــقَدَر
وتـــاجِ مُحْتَسِبٍ وافاهُ موعِدُه … والصَّدْرُ مِنْهُ سليم مِن لَظى الوَحَر 
وتاجِ مُجتهد في حبّ خالقه … فرضاً ونَفلا وإخباتا لدى السَّحَر
وتاج مُستنصِح بل ناصِح ثِقَة … هيهات مبتدأ يأتي بلا خبَر
المبتدا غرة بيضاء مَنْبِتُه … مَحَجّةٌ ورياضٌ طيّبُ الشجر
فرعا لأصل زكي دائم أُكُلا … بيضاء والكُلُّ في البيضاء في نظري
كان الحبيبُ من الطلاب رمز أُسى … مناضِلا من رعيل سابِقٍ نَضِر
ثم استهلّ مجال الشُّغل في عمل … في قسم “سُكنى وتَعميرٍ “مِن الأطر

وقد أشادَ “ابنُ صِدّيقٍ” به وَتِداً … في “المركزية” 1رُكْناً طَيِّبَ الأَثَر
كما أشاد به عونا له ويدا … سحَّاء في البِرّ والإحسان كالمطر
وفي الوظيف ربيط الجأش مؤتمنا … جِدّاً وجُندية طوعا بلا ضجَر
نعاه مُبتدأ البيضاء ثمّ سلا … تلك التي ضاعفَتْ مِن غَلّة التمر
نصيحة وغَناء في مجالسها … كان الفتى شامَةً في الظَّعْنِ  والحَضَر
مَن كان سَمْتاً وأخلاقاً وموعظة … رمزا لجيلٍ مِنَ الخُدّامِ مُقْتَدِر
تواضعاً وامتثالاً واقتِفاءَ خُطى … أسيادِنا في التماسِ العُذْرِ للبَشَر
وفي احتِضان هُموم النّاس في سَعَةٍ … في العُسر والحَصْر والأرْزاءِ والغِيَر
بالبِشْرِ حيناً وأحيانا بِبَذْل يَدٍ … وتارة بسَديدِ القولِ والنّظَر
ما إن تقابل “زرغونا” لَدى وَجَلٍ … حتى ترى باسِما أقوى مِنَ الخَطَر 
وتسمعُ القول مِن ثَغْرٍ لهُ حِكَم … تُغني عن الحُزن والإحباط والحذَر
تُنسيك بَسمته ما كنت ترقبه … تُسليك هدْأَتُهُ مِنْ هَوْلِ مُنْتَظَر

أبكَيْتني يا فقيد العدْل مُذ قرَأَتْ … عيني البلاغَ فغابَ القلبُ في سَكَر
فَجَعْتَني يا فتى الإحسان حين رَوَتْ … أخْبارَك الصُّدْقُ في سِفْرٍ مِنَ العِبَر
وحينَ  بُرْدُ الرِّضى بالصَّبْرِ دَثَّرَني … حَمِدْتُ ربّي على المرْوِيِّ في الأَثَر
وقُلْتُ لا تَحزني يا نَفْسُ والتَمِسي … عُذْراً لِصَبْرِكِ فالمرحومُ للنَّظَر
في وَجْهِ مَنْ وَجْهُهُ يُنسي أحِبَّتَه … دُنى المصائِب والأحزان والضّرر

كما يُسَلّي رِفاقَ الدَّرْبِ عن جَلَلٍ … ما دام صاحبُهُم ماضٍ إلى دُرَرِ
والأهْلَ والبِنْتَ والنجْلَيْنِ سُلْوَتُهُم … أَنَّ الرَّدى تُحْفَةُ الـمُفْضي إلى سُرُرِ
تَقابَلَتْ كي يرى الأحبابُ إخوتَهم … وما يَعِزُّ على الإدراكِ بالبَصَر
لو تعلمون بِما خصّ الكريم قِرىً …عبدَ الحميدِ سَكَبْتُم دَمْعَ مُعتمِر
أو زائِرٍ طيبةَ الهادي ومَسجِدَها … وروضةَ المصطفى في الناضِر الخَضِر

**

طالع أيضا  معنى وأهمية الرباط

صلّوا على أحْمَد المختارِ كلَّ مَدى … أكْثِرْ تَفُزْ يا حَبيبَ الحِبِّ بالمدَدِ
صلّوا على آله الأطهار عِتْرَتِه … في كُلّ نازِلةٍ هُم سلوة الخَلَد
صلّوا على صحبه الأخيار أسوتنا … هُم صفوة الصّفوة الأبرارِ في الرَّشَد
صلّوا على سلوة الأنْفاس قُرَّتِنا … أَصْلي وفَصْلي ومِلْحُ الأرض في بَلَدي
صلّوا عليهم جميعاً دائِماً أبَداً … فَهْيَ التي ذِكْرُها يَبقى إلى الأَبَدِ  


ذ. منير ركراكي
فاس ليلة الجمعة فاتح محرّم 1442ه
الموافق لـ 20 غشت 2020م


[1] المركزية: مجلس النصيحة المركزية الذي يُعقد بالدار العامرة.