إنّ الهجرة من مكة إلى المدينة لم تكن انتقال جسد من بلد إلى بلد، بل كانت ارتحالا من عالم العلائق المادية الضيق إلى عالم العلائق الروحية الرحب الفسيح. كانت الهجرة انعتاقا من علاقات الجسد، وارتباطا وثيقا بعلاقات الأبد…

كانت تضحية بكل ما كسبه هذا الجسد من مال وجاه وسؤدد… تضحية بكل تلك الوشائج والانتماءات العرقية والقبلية والعشائرية… تضحية بالمركز الاجتماعي والرتبة المهنية والمكانة السياسية…

تضحية بما تسكن إليه النفس من والد وولد، وما تركن إليه من مسكن ومال ومتاع وسند…

تخلصت حينها النفس البشرية من ربقة الخضوع بالذل لمن يستعبدها ويسومها سوء العذاب، وتحررت من وطأة المال والجاه والمنصب، وانعتقت من أغلال ذلك الانتساب إلى القبيلة والعشيرة والوطن، واستسلمت بخشوع إلى خالق الكون سبحانه فلا ترى لها علاقة إلا به وله ومعه.

قال سيدنا صهيب الرومي للمشركين وقد أرادوا منعه من الهجرة: “أرأيتُم إن أعطيتُكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا له: نعم. فقال: فإني قد جعلتُه لكم”. فلما بلغ الخبرُ سيدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَبِحَ صهيب، رَبِحَ صهيب».

خرجت الأنفس غير عابئة بما خلفت، ولا بما ستلقاه من عناء الطريق… لا يهمها ما دامت ذاهبة إلى الله. “إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ”… كان هذا شعارها حين خرجت مسترخصة في سبيل ذلك كل ما كسبت وما به اعتزت.

ضحت الأنفس يومها بكل غال ونفيس من أجل أم القضايا… قضيتها مع ربّها… قضية دينها وعقيدتها ورحلة وجودها… من أين وإلى أين؟ بل ممن وإلى من؟ “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” من ظَلّ مكبلا لا يمكنه الطيران… ومن ظل مثقلا لا يتيسر له التحليق…

تحرّر تطِر.

طالع أيضا  الهجرة النبوية في عيون الشعر | 1 | محمود سامي البارودي