ضمن سلسلة “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يتجول بنا اليوم الباحث عبد الصمد الخزروني في المضامين القيمة لكتاب “أيام الأمازيغ” للكاتبة المصرية نهى الزيني.

حوار مفيد، يستحق الوقوف عنده.

1- ما أهم كتاب قرأته منذ بداية الحجر الصحي إلى الآن؟ ولماذا تعتبره الأهم؟

أهم كتاب قرأته منذ الحجر الصحي حتى الآن هو كتاب “أيام الأمازيغ” للكاتبة المصرية نهى الزيني. هذا الكتاب لصغر حجمه من 108 صفحات، عندما يراه أي قارئ قد يزهد في قراءة عنوانه بله تصفح أوراقه من الداخل، وهذا من الخطأ، فقد تحمل مثل هذه الكتب أفكارا جديدة قيمة ومفيدة جدا للقارئ. وكما يقال: “يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر”. وكذلك كان هذا الكتاب.

أعتبر هذا الكتاب الأهم لأنه أفادني بمعلومات جديدة عن الأمازيغ الذين أنتسب إليهم، وقام بتصحيح معلومات أخرى يروج لها. كما أثبت أن أيام الأمازيغ المدونة لهم تاريخيا بماء من ذهب، حقا هي أيام مشرقة بالبطولة والرجولة والعلم والإيمان، والتي لم تكن مرتبطة بقضيتهم فقط وإنما بقضية أمتهم وبقضية الإنسانية جمعاء. لهذا لا يمكن لنا إلا أن نفتخر بهذا الشعب العظيم وبأن نقف له مع الواقفين إجلالا أمام إنجازاته الحضارية الكبيرة.

2- ما الإشكالية الجوهرية التي يعالجها الكتاب؟

الكتاب يعالج إشكالية مهمة حاولتُ أن ألخصها في الفكرة التالية: الاحتضان المتبادل بين الأمازيغ والدين مسؤولية والتزام. بمعنى أن الذي يريد أن ينكر الموقف الإيجابي للأمازيغ من الدين سواء كان مسيحيا أو إسلاميا بعد ذلك إنما يحاول أن يطمس حقيقة تاريخية ليجعل منها كذبة تنطلي على الأجيال الحالية والقادمة. وهي بالتأكيد محاولة يائسة بالرغم مما تتلقاه هذه المحاولة من الدعم والتمويل. وهذا الموقف الإيجابي يرتبط بعظمة هذه الشخصية الأمازيغية، والتي كانت تمتاز بخصائص فريدة، عبرت عنها الكاتبة بقولها: “ويُعد هذا التوق للحرية ورفض الخضوع، والجنوح نحو الثورة والتمرد أهم وأبرز خصائص الشخصية البربرية” 1.

3- ما هي أهم الأفكار التي استفدتها منه وتود مشاركتها مع القراء؟

فيما يخص الأفكار التي استفدتها من الكتاب وأود مشاركتها مع القراء يمكن أن أجملها في أربعة وهي كما يلي:

أولا: الموقف الإيجابي: فإذا تتبعنا المسيرة التاريخية للبربر الأمازيغ حسب ما أوردتْ صاحبةُ الكتاب كيف بدأت وكيف انتهت، نجد أنه كان للبربر الأمازيغ دائما موقف صلب مع العدو الخارجي الذي يريد إخضاع منطقتهم، سواء كان هذا العدو فينيقي أو بيزنطي أو روماني أو إغريقي أو فارسي. بينما كان لهم موقف إيجابي تجاه الدين حين يطرق أصحابُه عليهم الباب. خاصة الدين المسيحي الذي كان أكثرَ انتشارا منذ وقت مبكر، والذي دخل إلى المغرب عن طريق مصر خلال عهود الاضطهاد المسيحي من قبل الرومان. ثم الدين الإسلامي الذي دخل إلى المغرب بعد جهد جهيد ذاق الفاتحون من أجله الأمرَّين حتى احتاج الأمر لأكثر من سبعين عاما لكي يدخل البربر إلى الإسلام.

نعم في البداية يُبدون المقاومة الشرسة والدفاع المستميت عن حوزتهم ووطنهم اعتقادا منهم أن هذا الطارق لا يكون إلا عدوا كباقي الأعداء، لكنهم ما أن يعطوا لأنفسهم الوقت الكافي لفهم هذا العدو وقراءة ما عنده، فيدركون أهدافه الخيرية، ورسائله المطمئنة، ونواياه الحسنة حتى يقبلوه بين ديارهم ويتعايشون معه ويتصالحون معه، بل ويتبنون قضاياه الإنسانية من كرامة وحرية وعدالة ويدافعون عنها، وأكثر من ذلك يكونون في مقدمة من يحمل المشعل جندية وقيادة. 

طالع أيضا  المغراوي يقربنا من كتاب "20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب"

فأول موقف إيجابي للبربر الأمازيغ كان مع الدين المسيحي، فبعد أن اقتنعوا بعقولهم أنه حق احتضنوه في قلوبهم كما احتضنوه في سلوكهم وحياتهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل برز منهم رجال ونساء على حد سواء لحمل مشعله. وكان من أبرز من ذكرتْ الكاتبة منهم الشاب التقي الصالح الذكي الفصيح “آريوس”، من بربر قيروان حيث تصدى بحزم لمحاولة خلط عقيدة التوحيد كما جاء بها سيدنا عيسى عليه السلام بفكرة التثليث. وقد ساعده في ذلك الموقف الصلب شخصيته الأمازيغية الأبية والحرة والعصية على الاحتواء. وكان للشاب الورع أفكارا مهمة بثها في أتباعه، أسست بعد نفيه ومحاولة قتله لفكر آريوسي، ولمذهب أرياني سار عليه أتباعه من بعده وقد اضطهدوا كثيرا من أجله 2. وحتى يتمّ تخليد ذكرهم في التاريخ ذهبت الكاتبة إلى أن هؤلاء هم المذكورون في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل امبراطور الروم. والتي جاء فيها: “أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيين”.

فإذا كما تلاحظون أن البربر الأمازيغ كان لهم الفضل في نشر المسيحية الحقة وقد بذلوا من أجل ذلك أرواحهم وليس وقتهم ومالهم وجهدهم فقط.

أما ثاني موقف إيجابي فكان مع الدين الإسلامي، قاوموه في البداية نعم، ولكن ولأنهم يحملون الاستعداد الفطري لتقبل الخير، فإنهم لما أدركوا عظمة هذا الدين وخيريته، وبأنه جاء لتحرير البشر ولنشر العدل والكرامة والحرية، وبأنه يدعو إلى التسامح والتعايش اختاروه لأنفسهم منهج حياة واندمجوا مع حامليه بمبدأ المؤاخاة حتى صار جزءا من ثقافتهم ويتكلمون بلغته مع لغتهم. إدراكا منهم أنها لغة الوحي ومفتاح فهم كليات هذا الدين الجديد. تكلموا بها وخاطبوا وراسلوا وكتبوا، فقد كان عبد الله بن ياسين يخاطب باللغتين العربية والأمازيغية في نفس الوقت كما ذكرت الكاتبة 3. كل هذا من دون أن يفقدهم خصوصيتهم الثقافية واللغوية والعادات والتقاليد وغيرها، ومن دون أن يقع لهم ما يسمى بـ(الذوبان).

ثانيا: الاحتضان المتبادل: وأمام هذا الموقف العظيم للبربر الأمازيغ الذي أخبرتنا به الكاتبة كان للدين الذي احتضنوه موقفا عظيما أيضا تجاههم، إذ صنع من معدنهم النفيس الحر والأبي والمعروف بالتمرد شخصيات تاريخية وازنة وفذة سجل لها التاريخ أروع البطولات لا تنسى على مرّ الزمان. ولا عجب أن يُعدّ يوسفُ بن تاشفين البربري الأمازيغي رحمه الله الخليفةَ السادس بعد الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز. وأن يلقب بـ“أمير المسلمين ناصر الدين” 4. وأن تُعدّ دولته كدولة المدينة المنورة التي أسسها وبناها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقبل يوسف بن تاشفين هناك طارق بن زياد رحمه الله تقول عنه الكاتبة: “كان طارقُ بن زياد قائدا حربيا عظيما ومسلما ورعا تقيا ينتمي إلى قبيلة نفزاوة إحدى قبائل البتر ومحلها في جنوب تونس الآن. كان قوي البنية طويلا” 5. كان له جيش مؤمن قوي، قال عنه أحد القواد: “جند لا أدري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء”. وقال عنه الآخر: “رهبان الليل فرسان النهار”. بفضل هذا العامل الذاتي الوازن استطاع القائد طارق بن زياد أن يفتح الأندلس وينقل إليها قبسة من قبسات نور الإسلام من صحراء المغرب إلى بلاد الهمج لتصبح بفضله حاضرة أوربا الزاهرة 6.

طالع أيضا  دردشة وكتاب: "تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين"

ثم عبد الله بن ياسين الجزولي رحمه الله الذي كان له الفضل الكبير في تمهيد الظروف المناسبة التي ساعدت يوسف بن تاشفين على الوصول إلى ما واصل إليه من انجازات. تقول عنه الكاتبة: “عبد الله بن ياسين الجزولي من قبيلة جزولة الصنهاجية، بربري أسمر، من جنوب الصحراء الغربية، ذو جسد ضامر قوي، سريع الحركة، ذكي، ذو مهابة وفطنة ووقار، عالم فقيه درس في المدرسة المالكية بالمغرب، ارتحل إلى الأندلس.. يستزيد من العلوم قبل أن يعود للاستقرار.. على ساحل المحيط الأطلسي.. هبّ الرجل غير وجل ولا متردد، متوكلا على الله واهبا نفسه لوظيفة الأنبياء والأولياء”. وقد عانى عبد الله بن ياسين من تجربة دعوية قاسية هي من مرحلتين: الأولى يمكن أن نسميها مرحلة ما قبل النضج (مرحلة لمتونة) التي لقي من خلالها صدودا وإعراضا ونفيا له إلى خارج القبيلة. والثانية مرحلة النضج (مرحلة نهر السنغال) التي حالفه فيها التوفيق والنجاح في بناء الجماعة لبنة بعد أخرى وفق منهاج أقرب ما يكون إلى المنهاج النبوي الذي من خصائصه الرحمة والحكمة، الرفق والتدرج في تنزيل الوحي على الواقع. وكان من معالم هذا المنهاج النبوي تأسيسه للرباط التربوي التعليمي الذي يشبه دار الأرقم في العهد النبوي. وحول الرباط الذي كان مركزا للدعوة تجمعت القبائل ومنه انطلقت البعثات لنشر الدعوة وتحرير العباد والبلاد.

أما من النساء فذكرت الكاتبةُ زينبَ النفزاوية التي كانت تُلقب بـــ”الست زينب”، وهي من أشارت على يوسف بن تاشفين في اختيار مراكش عاصمة لإمبراطوريته لما تتميز بها من خصائص جيوسياسية. ولما كانت المرأة تتميز به من مركزية وقيادة خاصة على مستوى الأسرة نجد معظم القبائل سُميت باسم بعض النساء. كقبيلة لمتونة وقبيلة صنهاجة.

ثالثا: رحمٌ لا تَنضب: وهكذا انجبت لنا رحم الأمازيغ بفضل احتضانهم للإسلام رجالا ونساء كانوا قادة وجنودا وأبطالا وعلماء ومفكرين، خدموا قضية أمتهم وقضية الإنسانية جمعاء، حتى انبثقت عن جهدهم وجهادهم حضارة ساهمت بعلومها واكتشافاتها في تطور الحضارة الإنسانية. وما تزال تُنجب والحمد لله. ولا نعجب من هذا وقد وعدهم نبيهم صلى الله عليه وسلم بالفتح على أيديهم. ففي حديث مسلم عن نافع بن عتبة رضي الله عنه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قومٌ من قِبَل المغرب عليهم ثياب الصّوف. فوافقوه عند أَكَمة. فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد. قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه! قال: ثم قلت: لعله نَجيٌّ معهم (يناجيهم). فأتيتهم فقمت بينهم وبينه. فحفظت منه أربع كلمات أعدُّهن في يدي. قال: “تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله. ثم فارس فيفتحها الله. ثم تغزون الروم فيفتحها الله. ثم تغزون الدجال فيفتحه الله”.

وبعد يوسف بن تاشفين الأمير وطارق بن زياد القائد وعبد الله بن ياسين الداعية الذين كان لهم فضل سبق في وضع الأسس الأولى لحضارة إسلامية في الأندلس، برزت بعدهم بين الفينة والأخرى شخصيات تاريخية في ميادين شتى مثل ابن خلدون كمؤسس أول لعلم الاجتماع وعنه أخذ غيره من الغربيين. وابن بطوطة الرحالة الكبير.

طالع أيضا  ذ. الزوير يُشركنا معه في قراءة كتاب "التاريخ الجديد"

وأختم بين يدي أهم الأفكار التي وقفت عندها وأنا أطالع هذا الكتاب القيم، ببعض الإشارات الهامة:

الأولى: لا أدري لماذا لم يُسعف الكاتبة المصرية تكملة حديثها عن أيام الأمازيغ بذكر شخصيات أمازيغية أخرى أراها حلقة مهمة من حلقات نصاعة هذه الأيام من تاريخهم وإلا بقيت ناقصة. لا أدري هل السبب الوقت أم المصادر أم التقليل من أهميتها. وأذكر هنا ثلاث.

أما الشخصية الأولى فهي العالم العبقري الأمازيغي الحسن اليوسي رحمه الله تعالى، فقد كان معلم الخير قوّالَ الحق المجاهدَ الكبير. وصفه علماء زمانه بمجدد وقته وعابد زمانه. وقد شبهه ابن الحاج بحجة الإسلام الغزالي رحمه الله 7.

ثم الشخصية الثانية هي القائد الأمازيغي الكبير عبد الكريم الخطابي رحمه الله الذي علّم العالم تقنيات حرب العصابات. يقول عنه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وهو أيضا من الكبار الذين أنجبتهم رحم الأمازيغ: “كان مؤمنا يجاهد في سبيل الله، كان شعاره (الإيمان، والإيمان وحده). كان رجلا يتكل على الله قبل أن يتكل على العدد والعُدد” 8.

ثم الشخصية الثالثة هي العلامة الأمازيغية النابغة المختار السوسي رحمه الله الذي خدم اللغة العربية بإخلاص، وكان له عليها غيرة كبيرة. لقبه علال الفاسي رحمه الله بـ“فقيه الأجرومية” لرسوخ قدم السوسي في علوم العربية 9.

الثانية: وهي مهمة نقف عندها، أننا نظلم كثيرا هؤلاء الرجال العظام والشخصيات البارزة إن نحن قزّمنا تاريخهم وحصرناه في قوميّتهم وعرقيتهم ووطنيتهم. بينما هم قامات شامخة ورايات خفّاقة في سماء الإيمان والجهاد، والعلم والتربية، والرجولة والبطولة.

الثالثة: وهي عبارة عن سؤال: ما هو الشيء الذي لم يُسجل عن الأمازيغ وهم يحتضنون هذا الدين ويحتضنهم؟

الجواب هو عدم إحساسهم بنقص أو ميز عنصري أو ذوبان شخصية أو فقدان خصوصية ولو لمرة واحدة وهم يعيشون داخل بوتقة الإسلام. بل بقيت خصوصيتهم كما هي في اللغة وفي العادات وفي التقاليد والأعراف. ونحن والحمد لله منهم ونشهد بذلك. بل بالعكس كما ذهبت الكاتبة في قولها: “أن البربر في كل زمان لا يصلُح معهم ولا يُصلحهم سوى تطبيق النظام السياسي الإسلامي القائم على العدل ونبذ العنصرية الذي يجعل منهم قوة فاعلة تضاف إلى المجتمع” 10.

نعم هناك بعض المؤاخذات عن المؤرخين على اعتبار أن الفتح كان عربيا، وهو ليس كذلك بل كان فتحا إسلاميا -أقصد في الأندلس- شارك فيه الأمازيغ بالدرجة الأولى ثم العرب وغيرهم.


[1] نهى الزيني، أيام الأمازيغ، ص:15.
[2] انظر نفس الكتاب، ص :25.
[3] انظر نفس الكتاب، ص:57.
[4] انظر نفس الكتاب، ص:88.
[5] نفسه، ص:17.
[6] انظر نفس الكتاب، ص:46.
[7] انظر عبد السلام ياسين، حوار مع صديقي أمازيغي، ص:20.
[8] نفسه، ص:21.
[9] نفسه، ص:23.
[10] أيام الأمازيغ، ص:47.