بادِئ ذي بدء، لا يَسَعُنا في هذا اليوم مِن أيام الله إلاّ أن نُعزّيَ أنفسنا، وأقارب الحبيب الحميد الشهيد المجيد “عصام العريان” نَسَباً وصِهْراً، وجماعته وإخوانه المسلمين في كلّ مكان على هذا المصاب الأليم. وإنّ القلب ليحزن، وإنّ العين لتدمع، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا؛ درءاً للبلاء بالصّبر، ودرءا للصّبر بالرّضى، ودرءا للرّضى بالشُّكر، صبراً على مصيبة الموت ورزيته، ورضى بقضاء الله وحكمته، وشكرا على الموت ورحمته، وتحفته ونعمته بما هو جسر عبور من دار الفناء والابتلاء إلى دار البقاء والجزاء، ومن سجن الدنيا – والدنيا سِجْن – إلى جنّة الآخرة، وما عند الله خير وأبقى لمن اتقى، والله خير مما عنده وأبقى.

                نَصْبِر على القَدَر، ونرضى به، ونشكر الله عليه، ونرفض المقدور بما هو مِن فِعل فاعل، سَاسَ بعسف واستبداد، وحَكَمَ بشطط وفساد، وقضى بانحياز دون حياد، وسَجَنَ وعذّب بجَوْر وزور وانقياد للأسياد بلا تبيّن أو رشاد، وأهمل صحّة المسجون المظلوم المقهور المحصور بإصرار وعناد إلى أن أتاه القدر المقدور بقضاء حكيم رحيم مِن ربّ العباد، وقضاء لئيم زَنيم مِن غَشوم وابتلاء بَلاء على العباد والبلاد.

               وفي “عصام العريان” يَجْمُلُ بكلّ مؤمن، بل بكل إنسان أن يشهد شهادات مع مَن شهدوا، ويُصيخ إلى بكاء ثلاثة ماتوا كمَدا وحزنا، والرابع الباكي على نفسه أنا، ويرفع مِن وتيرة البكاء بلا عزاء على “عصام العريان” رحمه الله تَزامُنُ فَجيعَة قَتْلِه مع صفقات العار بين الإمارات والصهاينة، وذكرى محرقة رابعة مِن طرف السّيسيين السياسويين الفراعنة.

شهادات

أولا: شهد له الأقارب نَسَبا وصِهرا بعُمْقِ التديُّن، وذماثَةِ الخلُق، ولُطف المعشَر ولين الجانب، وحسن الذّوق والأدب، وكمال الدَّأَب في الرّعاية والتدبير والمعاملة والاحتضان والحدَب.

ثانيا: شهِد له أهلُ زمانِه شهادات في التميّز والزّيال في أكثر مِن ميدان ومجال؛ في العلم والفقه والطبّ والحقوق والآداب، والفكر والجهاد والاجتهاد والنّضال، وبكلمة جامعة لأحَدِ من العدول يعرّفنا على جوانب مِن سِجِلّ هذا الرّجل الحافل بصالح الأعمال؛ “كان رجلا تُعْقَدُ عليه الآمال”.

ثالثا: شهد له الإخوان المسلمون في “مِصر” وفي كلّ مصر أنّه كما كان رجل دولة بامتياز كان رجل دعوة صبوحا سموحا صدوحا طموحا، فاز في انتخابات، وحاز على ثقة هيئات ومؤسسات، وماز بمواقف وبطولات، واجتاز عقبات وتحديات؛ مضايقات وابتلاءات واعتقالات، وكان موته في سجن العقارب والحياتّ شهادة هي أغلى وأعلى وأحلى الشهادات.

طالع أيضا  براءة مبارك... أخطاء الربيع العربي القاتلة!!!

رابعا: شهِد له الخُصوم مِن غير الشّرفاء، والأعداء الألِدّاء بأنّه أجْدَر ألاّ يبقى طليقا، وأولى أن يلحق بـ”البنّا” و”قُطب” و”مُرسي” وكلّ عاكِفٍ على باب الله، حارِسٍ لمقدّسات الإسلام وحقوق المستضعفين، وكلّ مؤمن صادق رفيع، صديق حميم شفيع -في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا- لِـما رَأَوا في دعوته مِنَ الصّبر واليقين والعلم والعمل، والإرادة والسعي، والضبط والإنجاز ما لا يَجْمُلُ بِهِم أن يَدَعوه وشَأْنَه، فيفسد عليهم شأنهم، أو يمهلوه قليلا فيكون ضد مصالحهم دليلا ولا يترك لهم إلى قلوب الناس سبيلا، فأودعوه السجن مرات، وأَصَرّوا على إهمال صحّتِه حتى مات. وإنّ موته لزلزال يهدّ الجبال ويزعزع عروش كل حاكم حكمه إلى زوال، وكل مُتواطئ مع الظُّلاّم يخشى هول السؤال: إذا المظلوم سُئِل بأيّ ذنب قُتِل؟ وإذا المسؤول سُئِل بأيّ دليل قَتَل، عندها فلا ندم ينفع، ولا شافع يشفع، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انفصل وانقطع.

عندما يموتُ -أستغفر الله- بل يُقتَل سجين الظّلم والطغيان ضحيّة الإهمال والنّسيان مِنَ السجّان، ومِنَ الخُرس مِن شياطين الإنس والجان، ومِن الحكّام والحكومات، والهيئات ومنظّمات حقوق الإنسان يبكي على “عصام العريان” ثلاثة، والرابع أنا:

أولا: يبكي عليه مَن عاداه ومَن والى مَن عاداه، ومَن أمَر ومَن قضى حتى قضى في السّجن ولم يَقْض أحدٌ منهم وَطَرا، لتكون موته شهادةً له بالرّفعة دنيا وأخرى، وشهادة على قاتليه خِزيا وعارا، هُنا وعند الله لهم مِنَ الدَيّان ما هم أهل له قصاصاً وانتقاماً وثأراً.

ثانيا: يبكي عليه مَن سكتَ عن ظُلْم مَن ظلَم، فلم ينْبَس ببِنْتِ شَفَة لسانٌ مِنْهُ أو قَلَم، هذا إن لم يكن له في هذا المنكر يد، أو لم يكن له في القدرة على تغييره يد، وكان قلبه لا يزال ينبُض بِرَفْض، وذلك أضعف الإيمان، وإلاّ نُكِث عهدُ الإيمان وانتقض.

               ثالثا: يبكي على عِصام مَن أعياه الانتظار سُجن أم لم يُسجن، فرَوَّضَ الانتظارُ ظهره، وساوَم الاستعجالُ صبره، وفاوض الابتذالُ فِكْره، فالتفتَ يمينا وشمالا ورضِي مِنَ الحلّ عُشره، وجلس إلى الحاكم الآمر، أو القاضي المتآمِر، أو السجّان الآسِر يُقايض ويؤاكِل ويُشارب ويُسامِر على حساب دماءٍ أُهْريقَت، وجُثَث أُحرقت، وأموال نهبت، وأعراضٍ هُتكت، وحُرَمٍ انتُهِكَت، وأوصال مُزِّقت، وأعلام سُجِنَت، وخيوط عنكبوت تُهَمٍ على أبواب زنازنهم نُسجت، فلم يحرّك ذلك كلّه مِن عِزّته وإبائِه، وشِرعة قرآنه، ومنهاج نبيّه صلى الله عليه وسلم فيه ساكِنا، بل حرّك في قرارة نفسه مِن أعداء الله، وأعداء الأخوة في الدين والوطن والإنسانية كلّ ساكن وكامِن، وفي قلبه أنانيّته، ونِيّتِه أنا فباع كلّ نَفيس، ورضي بالمشترى وَهَنا، وبالمشتهى حُطام دُنى وأوهام مُنى، وعافية جُبناء صرعى وَنى، والتماس غِنى مُستنقَعاً نَتِنا.

طالع أيضا  حصيلة شهداء العراق في ارتفاع مستمر.. والاحتجاجات تتواصل

الأول بكى لأنّه أحيى بقتل عصام وأمثاله من الفحول الأعلام الممتطين مِن هذا الدّين ذروة السّنام رِمَما، وأنهض هِمما، واستنصر للعزاء والوفاء والفِداء قِمَما، وأبرز مِن هذا الدين، ورُعاة حَرَكاته المسؤولين قِيَما وشَمما، فأضحى كلّ أولئك وغيرهم ممّن هُم على شاكلتهم وطينَتِهم غير الملوّثة بأوحال الأرض، وأحوال أهل الأرض، للحقّ وأهْلِه سَلَما، وأورث القاتِلين على فِعْلَتِهم الفظيعة الشّنيعة حَسْرةً ونَدَما إن ظَلّ في الضّمير حياةٌ لِوَخْزٍ ومَلام وإلاّ “فما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلام”.

والثاني بكى لأنّه سَكت حين نطق الرّجال بالحقّ، وخَنَس حين خرج الرّجال عن صمْتِهم بصِدْق، فشهدوا حين غاب، وقاموا حين لاذ بانسحاب، وامتعضوا، واعترضوا وانتفضوا، وجلَس هُو حِلْس بيت قعوده يمتعض على مَن امْتَعَض، ويعتَرِض على مَن اعترض، وينتفض ضدّ مَن انتفض، يبتغي مِن موائد الظّلمة عرضاً أيّ عَرَض، ويَقضي لنفسه أبخسَ حاجة وأخسّ غَرَض.

                والثالث بكى عليه حين تنكّب صراط الاستقامة، وتنكّر للحرية والحقوق والكرامة، ونسي أصوله، وجَرَّح فُحوله، وأطلق ذيوله، وقال إنّ ما كُنّا عليه لشيءٌ مُنْكَر، والـمُبتدأَ الذي أورَثَنا هذا الخبر، فقُتِل مِنّا مَن قُتِل، وعُذِّبَ مَن عذّب، وأُسِر مَن أُسِر، وحُصِر مَن حُصِر، وتولّى مَن تولّى، وكفَر مَن كفر، أفلا نُهادِن مَن قَتل وأمَر، وحصَر وكاد ومَكَر، وأهْمَل وغَدَر، ونُداهِنُ لنُعصَم مِن الفِتن والمِحَن والإحَن ما بطن منها وما ظهر، وما يُخبّؤُه القَدَر، وهو أدهى وأمرّ، وقد أشاد بتقبيل رأس الطاغية الفاروقُ عُمَر، وقد أعْذَر مَن أنذر، لكن شهادة عصام تعيد هذا المغرور أو المغرَّر به إن أعادَتْه إلى صوابه، وتُنَبِّؤُه أنّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة تلخصها الآيات: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 1 وقول الحق جل وعلا: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 2. وقوله عز من قائل: وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ 3 وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 4 وقوله عز وجل: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا 5.

بُكاءُ هؤلاء وأولئك على أنّ العبرة بالخواتم لا بالمكاسب والغنائم الملطّخَة بدماء المظالم وشَطَطِ المحاكم، وخذلان كل مقاوم، والتآمر مع كل مفاوض، ومقايض مساوم.

طالع أيضا  أكثر من 100 شخصية وهيئة عبر العالم تطلق نداء لإنقاذ السجناء السياسيين في مصر

لا يستوى دمعٌ حارّ دافِق مِن عَيْنِ مُحِبّ مُنتفِضٍ مُتظاهِر مُؤازر صادِق، ودمع بارد مِن عينِ آبق مارق مُتظاهِر مُنافِق.

والرابع الباكي أنا: هل أنا مِن عصام الصبر والثبات واليقين، ممن صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أم مع الذين فتنوا أنفسهم وتربصوا وارتابوا وغرتهم الأماني حتى جاء أمر الله وغرهم بالله الغرور فعَدَتْ أعينُهم عن الصادقين تريد زينة الحياة الدنيا، وأطاعوا مَن أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا.

بكائي على نفسي خوفا مِن سوء العاقبة والخاتمة، وعلى نفسي قائلا لها: فاتَكِ الرجال يا خسيسة. وعليها أن لم تجد ما تُنفق مِن مال وعلم وجهد في سبيل الحق ونصرة أهل الحق من أمثال عصام وكلّ مُعتصم بحبل الله المتين، ومنهاج نبيه المصطفى الأمين، وخلفائه الراشدين وصحابته الغرّ الميامين خاصة الأنصار منهم والمهاجرين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. صلوات الله عليهم أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] آل عمران: 172-..-175.
[2] التوبة: 47.
[3] الروم: 59.
[4] آل عمران: 156-157.
[5] الأحزاب: 23-24.