بشكل مفاجئ وغير معتاد في الأعراف الديبلوماسية، تم اليوم الخميس 16 ذي الحجة 1441ه الموافق 13 غشت 2020 م الإعلان عن “اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي” الذي يقضي بالتطبيع الكامل للعلاقات بين الطرفين، بما في ذلك من تبادل السفراء وتمتين وتوسيع العلاقات بينهما.

الغريب في الأمر أن الإعلان عن هذا الاتفاق المشؤوم كان من واشنطن بتدوينة للرئيس الأمريكي ترامب، تلتها تأكيدات من جانب الطرفين وأعقب ذلك لقاءان صحفيان لترامب ونتنياهو، فيما بقي حكام الإمارات محتجبون عن الأنظار.

بغض النظر عن الأوضاع المأساوية التي تعيشها المنطقة العربية من تراجع وانحسار لتحركات ومطالب الشعوب والطامحة لغد الحرية والكرامة والعدالة، والتي من أبرز تجلياتها حرية الشعب الفلسطيني وانعتاقه من احتلال وتنكيل الصهاينة، فإن الخطوة لا تعدو أن تكون محاولة لإنقاذ الرؤوس المدبرة والموقعة عليها وإخراجها من المآزق التي تهدد مصير كل واحد منها.

فالوزير الأول الصهيوني نتنياهو بلغ من أزمته الشخصية وورطته السياسية حد الوقوف أمام القضاء بالكيان الغاصب للمحاكمة بتهم الفساد واستغلال النفوذ، أضف إلى ذلك عدم استقرار الأوضاع السياسية بدولة الشتات التي يقود عصابتها الحاكمة منذ سنوات، وذلك نتيجة الخلافات العميقة بين أحزابها وتوجهاتها الدينية والإيديولوجية، وإن كانت حقيقة الأمر أن ذلك ناتج عن طبيعة الكيان المصطنع المجتث فما له من قرار.

أما بالنسبة للرئيس ترامب فإن انكشاف ارتجالية وتخبط قراراته وسياساته في تسيير شؤون بلاده، والتي كان آخرها طريقة تدبيره لموضوع تفشي وباء كورونا ببلاده، إلى جانب الانعكاسات الاقتصادية السلبية للوباء على الاقتصاد والمجتمع الأمريكيين، قد زاد من تدني شعبيته واحتمال رجوعه إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، خاصة وأن الانتخابات الأمريكية باتت على الأبواب ولا يفصل عنها سوى مالا يزيد عن ثلاثة أشهر. ولذلك فإن هذه الخطوة تأتي كأحد الأوراق السياسية الانتخابية لترامب والتي قد تضمن له دعم اللوبي الصهيوني الأمريكي.

طالع أيضا  العمراني: نحيي الشعب الفلسطيني بكل فصائله على موقف الإجماع الرافض لصفقة القرن

أما فيما يخص حكام الإمارات فإن الاتفاق لا يعدو أن يكون إفشاء لسر غير مكتوم يعرفه القاصي والداني، ألا وهو التعاون والتنسيق بين زعماء الإمارات وقادة الاحتلال القديم المتجدد والشامل.

لكن الجديد في الأمر هو تهافت سياسات ومخططات آل نهيان وآل مكتوم في أكثر من بلد عربي. فالفشل كان حليفهم في اليمن وليبيا وتونس والصومال، إلى جانب انفضاحهم السياسي والأخلاقي والإعلامي في مواجهة جارتهم قطر. يضاف إلى ذلك التراجع الاقتصادي الكبير للإمارات بفعل تداعيات كورونا ومن قبلها نتيجة فضائح الفساد المالي وغسيل الأموال التي توالت عليها منذ مدة، علاوة على تراجع عائدات النفط بفعل تدني أسعاره عالميا.

تأتي إذن هذه الخطوة في الوقت الضائع من تاريخ المنطقة وشعوبها لتبين بكل وضوح الحاجة الكبيرة لدولة الاحتلال إلى أي مبادرة سياسية ودبلوماسية مع أي طرف من محيطها العربي، وإن كان بعيدا وغير ذي ثقل على الصعيد الإقليمي والدولي، وما ذلك إلا للتحديات الجمة التي يواجهها هذا الكيان داخليا وخارجيا.

كما أنها تؤكد أن محور الشر العربي يعيش مرحلة تهاوي مشاريعه الوهمية في أكثر من منطقة وبلد، وهو ما دفعه إلى الركوب على أية موجة قد تحقق له شيئا من الحضور الإعلامي والسياسي على الصعيد الدولي، وإن كان ذلك ضدا على إرادة وطموح شعوب المنطقة.

ختاما إن فلسطين بشعبها ومقاومتها قادرين على فضح وإفشال كل المخططات الجهنمية التي تستهدف وأد القضية وتصفيتها، والتاريخ شاهد وراصد لكل ذلك.