في الحلقة الثانية من السلسلة الجديدة التي أطلقتها قناة الشاهد الإلكترونية تحت عنوان: “حتى يتغيروا” والتي يؤطرها الدكتور محمد بهادي، توقف في هذه الحلقة للحديث عن: “الثقة بالله تعالى وأثر ذلك في تغيير ما بالأمة“.

واستفتح بهادي حديثه باعتبار الثقة بالله هي ذلك المعين الفياض الذي التف حوله الصالحون المصلحون من هذه الأمة، وتزودوا منه لجهادهم وتغييرهم للواقع بإذن الله وبأمره عبر التاريخ.

وتابع بالقول إن هذه الثقة قد يدعيها أي امرئ لكنها في الحقيقة لا ترتبط بمجرد الإسلام أو الإيمان وإنما بعمق الإيمان، فالإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى يقول: “عمق الإيمان الكفيل بإكسابنا الثقة بالله سبحانه وتعالى وترشيحنا لتلقي نصر الله والخلافة في الأرض عنه“.

فإذا بهذه الثقة يمكن أن يكون المرء كذلك السهم الذي لا يخطئ هدفه، أو كالذي عثر على مفتاح النصر والتمكين والتأييد والفوز برضى الله تعالى.

واسترسل المتحدث بالقول إن هنالك مجموعة من النصوص من القرآن والسنة ترمي إلى هذا المعنى الجليل إذا تأملناها، فمثلا قول الله تعالى: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” بمعنى يا أيها الذين آمنوا ثقوا بالله تعالى واعلموا أنه وليُّكم. وأيضا قوله سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا” أي ثقوا بالله تعالى واعلموا أنه سيدافع عنكم. وقوله عز من قائل: “وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ” بمعنى يا أيها الذين آمنوا ثقوا بأن الله تعالى معكم إن كنتم محسنين.

وهكذا نجد الكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تنبني على هذا الأُسِّ العظيم ألا وهو أمر الثقة بالله تعالى، فبها دائماً ينتصر الحق على الباطل، والأمثلة من لدن سيدنا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا لا تعد ولا تحصى.

طالع أيضا  رغم كل محاولات التيئيس.. دعوة للتغيير ونداء للأمل

وقدّم بهادي أمثلة من باب العد لا الحصر، فمثلا عندما حاصر فرعون وجنوده سيدنا موسى عليه السلام وقومه، قال قوم سيدنا موسى وهم بنو إسرائيل عندما وجدوا جنود فرعون من أمامهم والبحر من ورائهم: “إنا لمُدركون“، في غياب تام للثقة بالله تعالى. في حين نجد سيدنا موسى عليه السلام وكله ثقة بالله تعالى يقول: “كلا، إن معي ربي سيهدين“. وكذلك عندما نطلع إلى قصة سيدنا طالوت رضي الله عنه حين أمر قومه عند الخروج للقتال أن لا يشربوا من النهر إلا قليلاً وحين لاقوا عدوهم جالوت وجنوده قالوا في غياب تام للثقة بالله تعالى: “لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده“. افتقدوا هذه الثقة لأنهم عصوا أميرهم طالوت، وطاعة الأمير المختار الصالح الأمين من طاعة الله تعالى.

فلما عصوا الله تعالى فكان مصيرهم الجبن والخوف. في حين الفئة التي أطاعت أميرها وأطاعت ربها وجدت هذه الطاقة العظيمة الثقة بالله فقالت: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله“.

هذا بالنسبة للأقوام الذين سبقوا أما بخصوص رسولنا الكريم وأمتنا فهناك كذلك الأمثلة العديدة، فقد روي عند الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما وعند غيرهم بصيغ مختلفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً جالساً أو متكئاً تحت شجرة وسيفه معلّقٌ بها فجاء مشركٌ خلسةً فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لرسول الله: “من يمنعك مني“، فقال رسول الله وكله ثقة بالله عز وجل: “الله“. بمعنى الله يمنعني منك. فسقط السيف من المشرك وأخذه رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال للمشرك: “من يمنعك مني“، فقال المشرك: “كن خير آخذ“.

طالع أيضا  ذ. عبد المومني: يجب أن نؤسس جبهة واسعة لمواجهة المخزن

والأمثلة كثيرة ومتعددة تلك التي ذكرها المتحدث بعد ذلك، تتفق كلها على أن الثقة بالله تعالى مفتاح النصر، وهي العامل الحاسم في المعركة.

ويقول الإمام المجدد رحمه الله في كتابه المنهاج النبوي: “كان للمؤمنين وهو يتلقون الوحي طريا تفوق على المشركين في الثقة بالله تعالى والعلم به فكان العشرون منهم يغلبون المئتين من سواهم، كانوا رجالاً صنعتهم التربية النبوية ومحّصهم الله بالأذى والشدائد، فلمّا أيقنوا بأن ما عند الله خير، غلب سباقهم إلى مغفرة الله ورضوانه وجنّته عوامل الجبن البشري“، ويضيف الإمام رحمه الله تعالى مباشرة بعد هذا الكلام يقول: “عندما يكون مع المؤمنين كتائب مما يشبه هذه التربية وذلك التآلف والتنظيم يمكن أن يعتمد جند الله على موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم“.

وختم المتحدث بالتأكيد على أنه لا يمكن أن يتحقق المرء بالثقة بالله تعالى بالاستماع فقط إلى أخبار السابقين أو بالإطلاع على الكتب، وإنما لا بد من التربية على ذلك في حضن الصحبة والجماعة والذكر الكثير والصدق في طلب وجه الله تعالى. وبطبيعة الحال لا تُنال الثقة بالله تعالى بالتمني وإنما يحتاج الأمر إلى اجتهاد وجهد ومجاهدة، يحتاج إلى صبر وتقوى، وهذا الأمر العظيم له آداب وشروط وأسباب.

وتوقف بهادي عند أدب له الأثر العظيم في تحصيل الثقة هو التزام باب العبودية فقد يقدم المؤمن من باب الثقة على التصريح بأشياء أو الوعد بأشياء لم يعد بها الله ورسوله، ونيته حسنة وصادق في إيمانه. لكن التعامل مع هذا الأمر العظيم يجب أن يكون مؤطراً بشرع الله، فإذا كان رسول الله خير الخلق كلهم قد عاتبه الله تعالى في سورة الكهف فقال له: “وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ“. فإن كان هذا لرسول الله فكيف بمن جاء بعده.