نفتتح حوارات “في ظل الحجر.. كتاب قرأته” مع الكاتب والباحث الأستاذ مصطفى سنكي، الذي يتجول بنا بين دفتي كتاب الأمريكية هيلين آدامز كيلر: “IF I HAD THREE DAYS TO SEE” “لو أبصرت ثلاثة أيام”.

هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى والتي تحيط بنا من كل جانب، يقترح علينا سنكي أن ننظر إليها من خلال هذه الكاتبة التي لا ترى ولا تسمع ولا تبصر!

حوار خفيف شيق. قراءة ماتعة.

ما أهم كتاب قرأته منذ بداية الحجر الصحي إلى الآن؟

تيسر  لي خلال فترة الحجر الصحي قراءة ترجمة كُتيب ـــــ ومن معاني التصغير التعظيم ـــــ  بتوجيه من أخ صديق عزيز (ح. ت) للكاتبة الأمريكية هيلين آدامز كيلر تحت عنوان: “IF I HAD THREE DAYS TO SEE”  تفضل بترجمته إلى لغة عربية أنيقة وبليغة الدكتور عبد الهادي التازي تحت عنوان: “لو أبصرت ثلاثة أيام” طُبع سنة 2015.

وتجدر الإشارة إلى أن الكاتبة من ذوي الاحتياجات الخاصة بامتياز، فهي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، وتحدّت إعاقات الثلاث لتتبوأ مكانة مرموقة في عالم التأليف تُوجت بجائزة نوبل لآداب عام 1979.

ما الإشكالية الجوهرية التي يطرحها الكتاب؟

رسالة الكتيب كما عبر عنها مترجمه “أفضل نصح وأصدقه يمكن أن يقدم إلى أولئك الذين تحف بهم النعم من كل الجهات، ثم هم لا يقدرونها ويستسلمون للأوهام واليأس والقنوط… إنه دعوة للناس أن يلتفتوا إلى ما حولهم من كنوز وثروات حقيقية”.

الكتيب دعوة للإيجابية في الحياة، دعوة للتدبر في النعم التي يغدق بها الله تعالى على الناس. تقول الكاتبة مستعرضة برنامج يومها الثاني من الإبصار الافتراضي: “سأستيقظ مع الفجر لأرى تلك المعجزة الهائلة: معجزة انسلاخ الليل عن النهار، وتحوّل الطبيعة من عالم مطبق إلى عالم مشرق… سأقف بإجلال وخشوع أمام هذا المنظر البديع الرائع للشمس وهي تنشر أشعتها على الأرض لتوقظ الناس من سبات المنام! … يكون من برنامجي أن أقوم بجولة طويلة داخل الغابة لأني أريد لعينيّ أن تسكرا، أن تغيبا في جمال الطبيعة، في محاولة لأن أستوعب ـــــ في أوقات قليلة جدا ـــــ هذا البهاء العظيم الذي يعرض نفسه على المبصرين”.

ما هي أهم الأفكار  التي استفدتها من الكتاب وتود مشاركتها مع القراء؟

الكتيب على صغر حجمه زاخر بالفوائد، واختصارا أقف عند اثنتين منها:

الفكرة الأولى المستفادة من الكتيب واعتبارا للخلفية الثقافية لكاتبته الأمريكية، هي روعة وشساعة مساحة المشترك على مستوى القيم مع منظومتنا الإسلامية، ويكفي دليلا قولها: “لقد فكرت في بعض الأحيان بأن أفضل طريق وأحسنها هي أن نعيش كل يوم كما أننا سنموت غدا! وأن مثل هذا الشعور سيقوي قيمة الحياة… يجب أن نعيش كل يوم، ونحن نقدر تمام التقدير، وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا، والتي غالبا ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه وشهوره وأعوامه…

معظمنا يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أنه لا بد من يوم آت لا محالة نسلم فيه الروح، بَيْد أننا غالبا ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جدا! وعندما نكون في حالة صحية جيدة، فإن الموت عندئذ يُمسي أمرا غير وارد بتاتا، بل إنه لا يخطر على بالنا إلا عابرا…”.

ولعل هذا المشارك الانساني على مستوى القيم والتصورات أفضل عامل يمكن الاشتغال عليه بناء للثقة بين الشعوب في أفق بناء مشروع مجتمع عمران أخوي يرفل فيه الانسان، كل إنسان بالكرامة والحرية والعدالة وتسنح فيه الفرصة لسماع نداء الحق: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”. 

الفكرة الثانية وقد سمح الحجر الصحي بتأكيدها، وتتعلق بعلاقتنا بمن نعاشر من الأزواج والأبناء والأصدقاء، ولعل من الموافقات العجيبة أن سبق اطلاعي على الكتيب “حملة قرة العين” التي أطلقتها نساء العدل والإحسان مشكورة، فانبهرت كثيرا مما لفتت إليه الكاتبة متسائلة: “هل تستطيعون أن تصفوا بدقة خمسة من الأصدقاء الذين تعرفونهم جيدا؟ بعضكم ربما يقدر على ذلك. لكن عددا كبيرا منكم لا يستطيع. في تجربة خاصة قمت بها، أذكر أنني سألت بعض الأزواج ممن عاشروا زوجاتهم طويلا عن اللون الذي تمتاز به عيون زوجاتهم، وفي أغلب الأحيان عبروا لي عن خجلهم وارتباكهم، واعترفوا أنهم لا يعرفون حقا ألوان عيون زوجاتهم… إن كثيرا من الزوجات لا يفتأن يجأرن بالشكوى من أزواج لهن لا يولون اهتماما بما يطرأ على البيت من ترتيبات جديدة. إن عيون هؤلاء المبصرين لا تلبث أن تعتاد رؤية الأشياء (القربُ حجاب)، والناس لا يعيرون في العادة اهتمامهم إلا لبداية الأمور أو الغريب غير العادي منها…”.

وتفاديا لحجر ذكائك أيها القارئ الكريم، أترك لك استنباط آداب الصحبة والمعاشرة من هذه الفقرة، والتي ضبطها ديننا الحنيف وجلتها السنة النبوية الكريمة لِـتَــرَ حجم المشترك الانساني في مجال القيم، متى سلمت الفِطرُ والطبائعُ.

وختاما تعظنا الكاتبة متحسرة: “آه، ما أكثر الأشياء التي علي أن أراها لو توافرت لدي حاسة البصر لمدة ثلاثة أيام فقط! … إن كل هذه الحواس هبة تستحق الشكر؛ بَيْدَ أن نور البصر (أقول: والبصيرة أساسا) يعتبر من أجمل وأروع ما يدخل البهجة إلى النفوس…”.