لقد تناول الكتاب قضية، رغم ما لها من المركزية في مسار الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، ورغم محوريتها في تحقيق التنمية الشاملة، إلا أنها شائكة تخضع للعديد من المتداخلات، مما يجعل الحسم فيها أكثر تعقيدا. فمسألة التمكين السياسي للمرأة وما يستتبعه من تغيرات ثقافية واجتماعية، ومن تغيرات على مستوى مراكز القرار والسلطة، تتطلب نضجا سياسيا، يعترف أن الانتقال الديموقراطي رهين بمسألة توسيع الفعل النسائي في إدارة الشأن العام، كما يتطلب إرادة حقيقية، تترجم من خلال نقل الخطب المتماهية مع ما يفرضه السياق الدولي، إلى خطط عمل على أرض الواقع، تسهم ليس فقط في التصدي للتمييز ضد النساء بسبب الجنس، وانتشالهن من حلقات التهميش، وإنما من أجل استثمار الطاقات النسائية لتكون رافعة للتنمية والتنمية المستدامة. وأعتقد أن الكتاب كان موفقا في لفت الانتباه، من خلال منهج نقدي هادئ ورصين وموضوعي اعتمد على الحجج والأرقام، إلى التفاوت الحاصل بين القوانين والخطب الرسمية أو الحزبية، وبين الواقع الذي يضل أدنى مستوى من أفق التطلعات، إذ يتحكم فيه عاملان أساسيان؛ قواعد التنشئة بتفريعاتها التي تكرس الدونية كمعطى يرتبط بالأنوثة، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية سواء ممن يمتلك القرار السياسي أو من يمتلك القرار الأخلاقي.

وقد اعتمدت الدكتورة صباح العمراني في تناولها لقضية التمكين السياسي للمرأة، مقاربة النوع الاجتماعي كأداة لتحليل طبيعة العلاقات القائمة داخل المجتمع، وكيف تتحكم قنوات التنشئة في تقسيم الأدوار. وهي أيضا مقاربة أثارت الكثير من الجدل وأسالت حبرا كثيرا، وسّعت هوة التباعد بين الحركات الإسلامية والحركات النسائية الليبيرالية، حيث احتدم الصراع الفكري والإيديولوجي، ليظهر في أوجه بعد حدث خطة إدماج المرأة في التنمية، إذ أفرز الصراع الفكري اصطفافين متباينين بين مكونات المجتمع. وقد أزعم أن الدكتورة صباح امتلكت ما يكفي من الجرأة المطلوبة في الباحث وفي البحث العلمي، لتطرح مسألة التمكين السياسي للمرأة من خلال  مقاربة النوع الاجتماعي بالنطر إلى خلفية انتمائها إلى الحركة الإسلامية التي رفضت أغلب مكوناتها هذه المقاربة، لما تركته من تمثلات ارتبطت بحمولات فكرية وفلسفية راديكالية تبنتها مجموعة كبيرة من مكونات الحركة النسائية في الغرب، حيث رفضت الثابت وتمسكت بكون كل شيء خاضع للتغيير حتى الجنس، وبأن مبدأ الثبات مرتبط فقط بالسلطة الأبوية المتحكمة، وتكرسه التنشئة من خلال قنواتها لإعادة إنتاج نفس الثقافة حفاظا على مراكز الهيمنة والإخضاع.

طالع أيضا  تعليق على خطاب يوليوز 2019

كتاب “المرأة والمشاركة السياسية بالمغرب” كتاب متوسط الحجم، عدد صفحاته 352 صفحة، قسمته المؤلفة إلى قسمين، وكل قسم إلى فصلين، وكل فصل إلى مبحثين، وكل مبحث إلى مطلبين، وكل مطلب إلى فقرتين، في ازدواجية تحاكي ازدواجية سؤال/جواب، وكأنها تطرح الفكرة بين طرفي الموجود والمطلوب، للمقارنة بين البروباكاندا اللامعة من خلف الشعارات المرفوعة، ودهاليز الحقيقة التي تبطل مفعول السحر في الخطابات. وأما العنوان فقد كان منسجما مع مضمون الكتاب، حيث ابتدأ بـ”المرأة” كخبر لمبتدإ محذوف، والواو واو عطف يفيد الاشتراك في الحكم، والمشاركة التي نعتها السياسية، اسم معطوف على المرأة، والمعطوف والمعطوف عليه يكونان على نفس الدرجة إذا كان العطف بالواو، وبذلك يصبح للعنوان وظيفتان، التصريح بحكم وإرجاء آخر للفصل بعد قراءة الكتاب، فأما الحكم المصرح به فهو أهمية المرأة كفاعل أساسي ومشارك في العملية السياسية من خلال طرحها في مقابل المشاركة السياسية، وأما الحكم المتروك للتداول فهو إرجاء تقييم المشاركة السياسية للمرأة في المغرب إلى ما بعد الاطلاع على ما تم طرحه بين صفحات الكتاب، دون أحكام مسبقة قد تكون نتيجة التأثر بأي عامل خارجي موجه لإرادة الإنسان. ثم إن العنوان طرح السياسة كعمل مشترك وليس كفعل منفرد، فالعمل السياسي لن يكون فعلا بانيا لأسس التنمية إلا من خلال المشاركة بديلا عن الاستفراد. أما غلاف الكتاب فقد تغلبت عليه مساحات البياض الذي يوحي بأن الإشكالية التي تطرحها الدراسة، لاتزال تتسم، رغم ما أسالت من حبر، بالكثير من الفراغ الذي ينتظر الكتابة على ورقه الأبيض، ويتطلب المزيد من الخوض في غماره، وتتوسطه لوحة تعكس الكثير من التشابك والتعقيد، فكأنما تعكس محاولة الكاتبة لفك بعض رموز وطلاسم هذا التعقيد الذي رافق مجمل قضايا المرأة.

طالع أيضا  آفة الحكام والقومة الجماهيرية المنتظرة

وتلك أولى الرسائل التي تقرؤها من غلاف الكتاب وعنوانه، قبل الخوض في مضمونه؛ حيث تصدرت مقدمتان، كل منهما على قدر من الأهمية، فالمقدمة الأولى لمدير مركز بن غازي الدكتور إدريس مقبول؛ أوجز من خلالها مضمون الدراسة، وتحدث عن خلاصاتها، وأشاد بأهميتها وبقيمتها العلمية، أما المقدمة الثانية؛ فلصاحبة الدراسة موضوع الكتاب، وقد شكلت توطئة للقضايا التي ستناقشها فيما يستعرض من فصول ومباحث ومطالب، كقضية تمكين المرأة ومحوريتها في خلق التوازن داخل المجتمع، وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي كمؤشر لتقييم نجاعة خطط وبرامج التنمية، وبالتالي الحد من العوائق التي تفرز وضعيات التفاوت وعدم الإنصاف، والسياقات السياسية التي دفعت المغرب للانخراط في محيطه الإقليمي والدولي عبر المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الهادفة إلى إنصاف المرأة وكان أهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة المعروفة اختصارا بـ”سيداو”، كما تطرقت المقدمة إلى تحديد هدف الدراسة الذي تجلى حسب صاحبته في “استعراض التجربة المغربية لإدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية” (ص12)، وقد استدعى ذلك الوقوف على مجموعة من المفاهيم المؤطرة لموضوع الكتاب حتى لا يعتريها أي غموض من شأنه أن يشوش على القارئ، كالمقصود من المشاركة السياسية، ومقاربة النوع الاجتماعي، ومفهوم التمكين.

وفي القسم الأول من الكتاب والمعنون بـ… تتمة المقال على موقع مومنات نت.