أعادت قناة بصائر الإلكترونية بث شريط لمجلس من مجالس الأحد التي عقدها الإمام المجدد عبد السلام ياسين يوم 18 شوال 1423هـ الموافق لـ 22 دجنبر 2002م. حيث توقف الإمام رحمه الله عند حديث شريف يشير إلى العلم النافع المطلوب إلى كل مؤمن ومؤمنة تعلمه والحرص عليه. روى أبو داود وابن ماجة عن سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “العِلمُ ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فَريضةٌ عادلةٌ، وما كان سوَى ذلِكَ فَهوَ فضلٌ“.

وتساءل الإمام عن ماهية هذا العلم المطلوب منا تعلمه؟ وكيف نتعلمه؟ بعد تأكيده على أن الواحد منا عليه أن يفني عمره في تعلمه.

وأجاب مباشرة بقوله إن أول العلم المطلوب تعلمه هو القرآن الكريم رسالة ربنا عز وجل إلينا، وكله آيات محكمات. نبدأ بحفظه عن ظهر قلب ليحفظنا، ونعمل به تقربا وسلوكا في الدنيا والآخرة. والقرآن الكريم مرقاة للعباد يوم القيامة، يوم يقالُ لصاحبِ القرآنِ: “اقرأْ وارقَ ورتِّلْ كما كنتَ ترتلُ في الدنيا، فإنَّ منزلتَك عندَ آخرِ آيةٍ تقرأُ بها“.

والآية المُحكمة هي التي ليست متشابهة وليست منسوخة، وفيها حُكم واضح.

ثم انتقل إلى السنة القائمة وهي السنة الحية المعمول بها على وجهها. وهي ليست حبيسة الكتب فقط ورهينة عقل جامد وفكر تسطيحي وأهواء السفهاء، السنة في شمولها وكلياتها وتفاصيلها ما وافق المنهاج النبوي الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به الخلفاء الراشدون من بعده.

وعلينا بتعلم السنة، وكم سنحتاج لذلك؟ قال: العمر كله.

وأما الفريضة العادلة ما فصلته الأحكام الفقهية من شروط صحة العبادات وأحكامها، كالصلاة والزكاة وأحكام الإرث والبيوع وغيرها. ولكن لا تقتصر عليها، فهناك فريضة أعم وهي القيام بالعدل، فيما أوجب الله للناس من حقوق. وثمة فريضة أعم من ذلك وأكبر؛ هي فريضة تبليغ الناس كلمة الحق حتى يسمعوا كلام الله. هي سنة الرسل والأنبياء والصالحين من عباد الله.

طالع أيضا  وصايا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

وما كان سوى ذلك فهو فضلٌ، أي أن ما زاد عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والفريضة العادلة، فهو علم زائد فقط.

ولله در الشاعر إذ يقول:

أُحِبُّ حَديثَ المُصطَفى وَأَوَدُّهُ — وَأَدرُسُهُ عُمري وَأَضبِطُ كُتبَهُ

وَذلِكَ عِندَ المُصطَفى لِيَ شاهِدٌ — يُجَلّى لَنا وَالمَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّهُ

وأوصى الإمام بالمحافظة على مجالس الحديث النبوي والحرص عليها، لما فيها من خير عظيم واتصال بالجناب الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلما وحفظا وفهما ودعوة وسلوكا منهاجيا قويما. وأن يكون سعينا كله بنية التقرب إلى الله تعالى والقيام بما خلقنا لأجله.

وإلى هذا يشير الفقيه الأندلسي أبو الوليد الباجي بقوله:

إِذا كُنتُ أَعلَمُ عِلماً يَقيناً — بِأَنَّ جَميعَ حَياتي كَساعَه

فَلِمْ لا أَكونُ كَضَيفٍ بِها — وَأَجعَلُها في صَلاحٍ وَطاعَهْ؟

وختم الإمام رحمه الله بأننا نكون على الحق إن اتبعنا السنة الكاملة القائمة المبينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجتهد لتحقيق موعود الله كما أمرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، إيمانا بالغيب وعملا بمقتضى سنن الله الكونية والشرعية. وأساس هذه السنة الرفق بالناس وتعليمهم أمر دينهم وتخليصهم من ماضي الفتن وحاضر الاستبداد، حتى يفتح الله للناس برحمته فتكون خلافة على منهاج النبوة يرضاها أهل السماء والأرض.