في مذكرة خاصة بالمرحلة الثانية من البحث حول تأثير فيروس كوفيد-19 على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للأسر لرصد أهم الانعكاسات السلبية الرئيسية للتعليم عن بعد على التلاميذ والطلبة، قالت المندوبية السامية للتخطيط إن %83,5 من المتمدرسين في التعليم الأولي لم يتابعوا أي دروس عن بعد (%79,1 في الوسط الحضري و%94,6 بالوسط القروي) خلال فترة الحجر الصحي الذي فرضته الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة كورونا.

 وأوضحت المندوبية أن الأسباب الرئيسية التي صرح بها أرباب الأسر تتجلى في عدم العلم بوجود قنوات مخصصة للتعليم عن بعد بنسبة %43,7، وصعوبة متابعة الدروس بسبب صغر سن الأطفال بنسبة %22,1، وعدم فعالية الدروس بـ %10,7 وعدم التوفر أو نقص في الأدوات الإلكترونية بـ %5,5.

وأبرزت أن ما يناهز طفلا واحدا من كل 6 أطفال (أي %16,5) تابع دروس التعليم الأولي عن بُعد، %88 منهم تلقوا المساعدة من أحد أفراد الأسرة، و%32,9 حظوا بهذه المساعدة بشكل دائم طيلة وقت متابعة الدروس و%55,5 من حين لآخر.

وأوضح البحث أن أبرز الانعكاسات السلبية تتمثل في صعوبة الاستيعاب بالنسبة لـ%46.8 من المتمدرسين، والإدمان على الأدوات الإلكترونية بنسبة %18.2. كما تتمثل أيضاً في اضطرابات في التركيز بنسبة %16.1، بالإضافة إلى النقص في الأنشطة البدنية والحركية بنسبة %14.6، ثم مشاكل في الرؤية بنسبة %5.9، واستخدام الأدوات الإلكترونية بدون مراقبة الآباء بنسبة %5.9.

واعتبر الخبير التربوي الأستاذ منير الجوري وهو يعلق على معطيات تقرير المندوبية أن “مؤشر استيعاب المادة الدراسية وتحقيق الأهداف المرصودة لها من المؤشرات الهامة” وهو غير متوفر، لأن الوزارة قررت عدم الاعتماد على تقويم الدروس المنجزة عن بعد، مما ترك مساحة بيضاء في محور الموضوع كله. وتابع بقوله إن “الأرقام المرتبطة بعدد الدروس والساعات المنجزة لا تعني الكثير، كما أن مؤشرات المندوبية على أهميتها تبقى ناقصة في غياب تقويم دقيق وحقيقي لنسبة تحقيق الأهداف المعرفية والبيداغوجية والمهاراتية المرصودة لكل الدروس الملقنة عن بعد“.

طالع أيضا  ذ. هراجة: ما دام هناك ضرائب مرصودة للخدمات العمومية فينبغي أن نحيّد جيوب المواطنين

وأضاف أنه عند الحديث عن انخفاض درجة استيعاب الدروس عن بعد بشكل عام، فإن هذا الانخفاض سيكون “حاداً” في صفوف المتعلمين بالتعليم الأولي والابتدائي، وذلك “بسبب حداثة سنهم وطبيعة شخصيتهم الفتية ومهاراتهم التعلمية غير الناضجة لتحقيق الاستيعاب اللازم. فالأطفال في الغالب ألفوا اللعب والترفيه بالأدوات الإلكترونية وبالتالي فالانتقال بهم إلى وضعية المتعلم لا يمكن أن تكون بهذه السهولة والبساطة، بل يحتاج الأمر إلى دربة ومواكبة واعتياد” وهو الشيء الذي لم يتحقق بسبب فجائية الوضع.

كما أن الكثير من الأسر -حسب الخبير- التي بها أبناء كثر أعطت أولويتها لأبنائها بالتعليم الثانوي والإعدادي على حساب تلاميذ الأولي والابتدائي، في حين أن الأحق بالمتابعة والرعاية والتوجيه هم الأطفال حديثي العهد بالتعلم المعياري المؤطر بمناهج بنائية وتراكمية.

الموجه التربوي بوزارة التعليم أضاف أن الأرقام المتدنية تعكس “تدني نجاعة التعليم عن بعد، وهذا كان متوقعا بالنظر لعدم استعداد الوزارة وأطرها لهذا النوع من التعليم الذي له خصوصياته البيداغوجية والتربوية“. وعدّد أسباب ذلك في “ضعف تكوين الأطر التربوية في المجال التقني والدعامات الإلكترونية فضلا عن ضعف تجهيز المؤسسات والأساتذة بما يلزم من الأجهزة، ثم غياب مناهج منسجمة مع خصائص التعليم عن بعد“.

وفي سياق آخر، وخلال فترة الحجر الصحي، اقتنت %22.4 فقط من الأسر أدوات تكنولوجية أو خدمة الاتصال بالأنترنيت لتمكين أطفالهم من متابعة التعليم عن بعد، حيث اقتنت أسرة واحدة من كل 10 أسر، أي %9.7 هاتفا ذكيا، %11.2 في الوسط الحضري مقابل %6.2 في القروي، و%2.8 حاسوبا أو لوحة إلكترونية و%0.2 طابعة. كما اقتنت %15.9 من الأسر خدمة الاتصال بشبكة الأنترنيت، %20.8 من أرباب هذه الأسر لديهم مستوى تعليمي عال مقابل %13 بدون أي مستوى.

طالع أيضا  تقرير دولي يحذر: 10 مليون مغربي مهدد بالفقر.. وعلى الدولة القيام بإجراءات استباقية

وأقر الباحث منير الجوري بأن الأسرة المغربية “غير مهيأة لأداء دورها الحاسم في إنجاح الدروس عن بعد” سواء تعلق الأمر بـ “الإمكانيات المادية المطلوبة لتوفير العدة الإلكترونية لكل أبنائها وما يلزم من صبيب للأنترنيت. أو ما يرتبط بالمستوى التعليمي الضروري الذي يجب أن يتوفر عند الآباء حتى يستطيعوا مواكبة الوضعيات التعلمية لأبنائهم وسد ثغراتها“. كل ذلك وغيره ساهم في تخفيض النتائج المرجوة من التعليم عن بعد.

فضعف نسبة اقتناء الوسائط الإلكترونية حسب المتحدث يعكس الإشكالات التي وجدتها فئة عريضة من التلاميذ في التوفر على أداة إلكترونية لمتابعة الدروس عن بعد، وكان على المندوبية “أن تعطي أرقاما أخرى تشرح الوضع تماما من خلال مؤشر حول عدد الأسر التي تتوفر قبل الحجر على هذه الوسائط، وعددها مقارنة بعدد التلاميذ في الأسرة على اعتبار أن كل واحد منهم يحتاج إلى أداته الخاصة لأن الدروس تتم في نفس الفترة الزمنية“. هذا المؤشر من شأنه أن يضعنا أكثر في الصورة ويعطينا نسبة التغطية التي توفر عليها التلاميذ ومدى وجود “تكافؤ في فرص حضور الدروس عن بعد“.

يذكر أنه تم التطرق لهذه الفصول خلال المرحلة الثانية للبحث الوطني حول آثار هذه الجائحة على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للسكان المغاربة، والذي أجرته المندوبية خلال الفترة ما بين 15 و24 يونيو الماضي لدى عينة تمثيلية تضم ألفين و169 أسرة، بهدف مقاربة تطور السلوك الاجتماعي والاقتصادي والوقائي في ظل جائحة كوفيد-19، وتقييم آثار هذه الأزمة الصحية على مختلف شرائح السكان المغاربة من حيث الولوج إلى التعليم والعلاجات الصحية والشغل والدخل.