عشنا لحظة استنكار واسعة لعملية نهب الخرفان من سوق الحي الحسني بالدار البيضاء، وكم تألم الناس لحال الباعة الذين أصابتهم رزية عظمى بعد عام من الكد والعمل والمثابرة. يظهر من هذا الموقف المتعاطف بقاء شيء من حياة الضمير والقيم، كما يعد فعل النهب نهارا جهارا وعُنْوَةً اغتيالا للدين وللأخلاق وللقانون، بل واغتيالا للآدمية والإنسانية.
لكن أليس بوسعنا أن نصعد إلى الأعلى فتكبر صورة الوطن، ويصبح سوق الكباش مجرد نقطة فيه، وعوض أن نرى أشخاصا يحملون خرفانا ويركضون، ويهتكون سياج السوق حتى لا يخرجون من بابه، سوف نشاهد مقالع ومناجم وموانئ مسيجة، وشاحنات وقاطرات وطائرات وبواخر ينهب أصحابها الثروات ويهربون بها خارج حدود الوطن. فلماذا يا ترى تثور ثائرتنا أمام مشهد سرقة الخرفان، ولا تثور أمام نهب ثروات الوطن؟ ولماذا يحيا ضميرنا أمام سرقة السوق، ويموت او يغيب أمام سرقة ثروات الوطن؟ ثم أليس ناهبوا الوطن الذين كسروا ميزان العدالة وهرّبوا الأموال، وتركوا جيوب المواطنين فارغة، وحرموا البلاد من مشاريع تنموية هم من أوجدوا البطالة والفقر وصنعوا سراق السوق الموسمي الصغير ؟
إن رؤية نهب السوق وعدم رؤية نهب الوطن مرده لأمرين:
– إما عامل الخوف الذي يسمح باستنكار واستهجان فعل السرقة لأنه جاء من أشخاص بسطاء لا يملكون السلطة وأدوات السلطة.
– وإما ناتج من عدم القدرة عن إدراك الصورتين بنفس البشاعة!
فمثلا قد يقرف الناس من مشهد اغتصاب فتاة في الشارع من قبل شخص أو أشخاص، لكنهم قد لا يأبهون بظاهرة امتهان أكل الفقيرات من ثديهن، وجرهن إلى الفنادق والإقامات الفخمة ومراكز التدليك…، مقابل دراهم معدودات، قد نستنكر الاغتصاب الأول لأنه جلي ومباشر وصادم، لكننا قد نُحجَبُ، أو نَحجِبُ انفسنا عن رؤية الاغتصاب الثاني؛ ولعله نفس المثال عندما نستنكر اغتصاب مال بائع، ونضعف أو يصيبنا الشلل الكلي والصمت المطبق أمام اغتصاب ثروات الوطن.
إنه لا سبيل لمحاربة الاغتصاب والسرقة والنهب إلا بإقامة نظام عدالة اجتماعية يعيد توزيع الثروات، وتصحيح قنواتها، وجعل مجراها يصب خدمة لمصلحة للمواطن، وليس في أرصدة خارجية معلوم من هم أصحابها، دون هذا الخيار سيبقى الوطن رائدا في صناعة الفقر والنهب والسرقة، وقد يتحول الوطن بأكمله مع استمرار نفس السياسات إلى ذلك السوق، فيكون الطوفان والسيبة لا قدر الله.
فللناهبين أقول: هلا توقفتم عن نهب الوطن!
وللمتفرجين أقول: هلا قمتم لإنقاذ الوطن!

طالع أيضا  فشل المشروع التنموي: المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم نموذجا