مرت نتائج امتحانات الدورة الاستدراكية للبكالوريا في صمت وهدوء لتزامنها مع أجواء ليلة العيد وتطورات كورونا وغيرها. لكني أعود إليها اليوم فقط لأحدثكم عن فاطمة… لأن فاطمة نجحت وحصلت على شهادتها باستحقاق مضاعف.
نعم فاطمة اليتيمة نجحت رغم الفقر والقهر ونوائب الدهر، رغم كل عوائق الذات والمَطَبّات والعيش على الفُتَات.
فقدت فاطمة أمها ومعيلتها قبل ثلاث سنوات.. فاكتملت حلقة عَوَزها.. خاصة بوجود أب ضرير عاجز عن توفير لقمة العيش والسكن لأطفاله الأربعة. لكن فاطمة اليافعة كانت أقوى من الانهيار وأحرص على الإصرار بثبات الكبار. فجأة وجدت نفسها تتحمل دور الأم والأب دون أن تغادرها روح الطفلة التلميذة بأحلامها الواسعة وطموحاتها العادلة.
قامت فاطمة بكل أشغال البيت، واهتمت بإخوتها الصغار، وحصّلت مدخولا لأسرتها واستعصت على الذئاب الرابضة في منعرجات صعوبات الحياة.. كانت تقبل أي شغل شريف وتتعلم كل مهارة يمكن أن تدر عليها مدخولا إضافيا؛ خادمة بيوت وصانعة حلويات وعاملة أعراس، منظفة درج عمارات. فاطمة قامت بكل شيء من أجل أن تنجح.. ونجحت.
وعندما كان يعترضها عارض فإنها لا تتوقف…فمرة عندما ارتفعت حرارة أخيها الصغير ذي الثلاث سنوات اصطحبته معها إلى المؤسسة صباحا وطلبت من الإدارة أن تجد لها حلا حتى لا يفوتها درس الرياضيات، فما كان من الطاقم التربوي إلا أن تدخل لها لدى زوجة الحارس الذي يقطن في سكن ملتصق بالمؤسسة لترعى الطفل خلال انشغال فاطمة بالدرس، وكانت تزوره في فترة الاستراحة لتطمئن عليه ثم تعود لتكمل حصصها. وهي الحكاية التي تكررت مع كل عائق أو عارض يتجرأ على توقيف فاطمة.
عندما تأخرت فاطمة صبيحة اليوم الثالث من امتحانات الدورة العادية للبكالوريا وأغلقت أبواب المؤسسة في وجهها، تأسف الجميع وقلق الجميع وحزن الجميع، لأن طاقم المؤسسة كله كان يواكب جهاد فاطمة ويدعمها وينتظر يوم تتويجها. جاءت بعد نهاية زمن الامتحانات، لتخبر بأن صاحب “البَرَّاكة” طردهم منها، لم ينفع معه توسلاتها ولا طلبها بأن يمهلهم يوما واحدا إضافيا، فقد جاءهم ليلتها مخمورا معربدا، والسلاح الأبيض يولول بين يديه. فقضت ليلة ليلاء سوداء ظلماء لم ينفع معها الحضور لاجتياز الامتحان في وقته المحدد.
لم تستسلم وعادت إلى الدورة الاستدراكية بكل يقين وثبات، ونجحت بميزة مستحقة.
“إلا بغا الله” هذه هي العبارة التي كانت تتخلل كلامها عندما كانت تحدثني عن حلمها وآفاقها وطموحاتها، كانت تبني مشروع نجاحها ومحوره نجاح إخوتها. عندما هنأتها بنجاحها كتبت لي: لقد نجح أخي الأصغر في الثالثة إعدادي، وأختي في السادس ابتدائي وأخي الأصغر سيدخل السنة المقبلة إلى الأولى ابتدائي. وأضافت بكل إصرار “إلا بغا الله كلهم يكملو قرايتهم وينجحو في مستقبلهم.. الله يقدرني عليهم”.
كم منك بيننا فينهار… وكم منك بيننا يصارع من أجل الانتصار؟
فاطمة واحدة ممن يعطي معنى لعملي.. وقودا لعطائي.. شحذا لهمتي.. أملا لبلدي.. فرحا بجهدي.. صبرا على تعبي وتحملا لتخبطات وزارتي.
شكرا فاطمة.. هنيئا فاطمة.. بالتوفيق فاطمة.. أفتخر بك فاطمة.. لم تخيبي أملي فيك فاطمة.. لن يخيبك الله فاطمة.
أيها الأعزاء لقد نجحت فاطمة.

طالع أيضا  أنصفوا نساء التعليم ورجاله