أقدمت الحكومة المغربية أمس الأحد 26 يوليوز 2020 على إصدار قرار مفاجئ يقضي بمنع التنقل من وإلى ثماني مدن مغربية، بحجة “محاصرة الوباء بإجراءات صارمة، منعا لانتقاله إلى مدن أخرى”، إذ لم يترك القرار للعازمين على السفر فرصة تدبير أمورهم، حيث هُرعوا إلى سياراتهم وحافلاتهم متوجهين صوب المدن التي يقصدونها في ليلة عرفت اضطرابا وذعرا وهلعا وفتنة لدى المسافرين وكذا عائلاتهم التي تنتظرهم في خوف وفزع، ونجم عن ذلك أضرار وحوادث سير…
وهنا يمكن مساءلة متخذي القرار: هل الحكومة فعلا بقرارها هذا حاصرت الوباء وحافظت على صحة المواطنين؟ ونحن نعلم جميعا أن الناس في عيد الأضحى سيشدون الرحلة إلى ذويهم وأقربائهم لا محالة، وأن الحالة الوبائية جراء ذلك ستعرف تغيرا، وبخاصة أنه بعد رفع الحجر الصحي، والتساهل في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الحماية في البؤر الصناعية وغيرها، أضحت أعداد المصابين بالوباء تتصاعد.
فهل أرادت الدولة عدم حرمان الناس من هذا العيد إحياءً لسنة مؤكدة؟ثم بدا لها بعدُ أن الأمر فيه مخاطرة؟
إن الأضحية سنة مؤكدة على المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد، لكن في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها المغرب وعدد من دول العالم، كان يمكن تعطيل هذه السُّنَّة محافظة على الأبدان ومحاصرة للوباء، وتعويض ذلك بالتصدق بمال الأضحية على الفقراء والمساكين، ومن أنهكهم المرض، وهَدَّهُم الوباء، وأضعف قدراتهم الشرائية.
إن ذبح الْأُضْحِيَّة أَفْضَلُ مِنْ التصدق بِقِيمَتِهَا، وهو المشهور عن مالك؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولأن إقامة السنة أفضل من التطوع.
لكن نحن الآن في ظرف استثنائي متوقف على تضافر الجهود حتى تمر هذه المحنة بأقل الخسائر البشرية والمادية.
بل إن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أن التصدق بثمن الضحية أفضل، وهي رواية عن مالك لكنها غير المشهورة. وَرُوِيَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: “مَا أُبَالِي أَنْ لَا أُضَحِّيَ إلَّا بِدِيكٍ، وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيمٍ قَدْ تَرِبَ فُوهُ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ”.
نعم إن عددا من أصحاب المواشي سيتضررون من هذا التعطيل، لكن يمكن للدولة تعويضهم عن بعض الضرر الذي سيلحق بهم.
ثم إن الأضحية هي شعيرة واحدة من شعائر العيد، وأيام العيد هي أيام ذكر و توسعة على الأسر وتزاور وصلة للأرحام، وهذه الصلة الجسدية بين الأقارب لها مخاطرها، وأحد أسباب تفشي الوباء، وهو ما فتئت الحكومة تحذر منه، أضف إليها صلاة العيد وهي من أهم شعائر العيد، وصلاة العيد عطلت في الجوامع والمصليات بقرار من الدولة كذلك، ونحن نعلم ما لهذا التجمع السنوي من مكانة في نفوس المسلمين، لكن لمّا لم تستطع السلطات تنظيم هذه الشعيرة كما تنظم في بلدان آخري بذريعة تفشي الوباء، قبلنا ذلك. فما الذي بقي من هذه الشعائر؟ ذبح الأضحية في هذه الظروف العصيبة، ودفع الناس إلى المجهول بمثل هذه القرارات المتسرعة؟
ألم يكن من باب الأولى تعطيل شعيرة الأضحية حفاظا على الأبدان؟.
وبعد رفع الوباء بإذن الله سيفرح الناس يومئذ، ويُضَحُّون فيما يستقبل من أعياد.

طالع أيضا  القطاع النسائي للعدل والإحسان يحمل الدولة مسؤولية ملف العالقين وخاصة واقع اللاجئات المأساوي