الكاتب: مصطفى السملالي

منذ ما يناهز عشر سنوات، ظلت السلطات الرسمية ومن ورائها وسائل الإعلام وعدد من المحللين والخبراء يشيدون بالنموذج الوطني الرائد في مجال الطاقة. ولقد شكلت لحظة الإعلان عن بدء تشغيل المحطة العملاقة للطاقة الشمسية المركزة (CSP) “نور وارزازات 1” حدثا تاريخيا بامتياز. كيف لا، وهي المحطة الأولى من نوعها على المستوى العالمي.

اليوم، وبعد مرور زهاء أربع سنوات على هذا الحدث التاريخي، وعشر سنوات على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطاقة، يطالعنا تقرير رسمي صادر عن هيئة حكامية دستورية بنبأ هام في الموضوع.

التقرير الأخير 1. الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحت عنوان “تسريع الانتقال الطاقي لوضع المغرب على مسار النمو الأخضر”، يثير لدى قارئه أسئلة عديدة، تستدعي أجوبة واضحة ممن يعنيهم الأمر.   

وإذا كانت لغة التقرير والمنهجية التي كتب بها تتسم بقدر كبير من الديبلوماسية والقدرة على التلميح عوضا عن التصريح. إلا أن الخلاصة التي لا يمكن الاختلاف حولها، أن التقرير جاء ليطرح بديلا عن الاستراتيجية الوطنية للطاقة والتي تم الإعلان عنها سنة 2009 بإيعاز من ملك البلاد وبإشراف سياسي مباشر منه أيضا. ومن تم فإن المجلس الاقتصادي ومن خلال تقريره الصادر يومه الخميس 09 من شهر يوليوز الجاري، قد وقع وثيقة رسمية تشهد بفشل الاستراتيجية الطاقية، العتيدة منذ عقد من الزمان وإلى حين قريب، وانتهاء مدة صلاحيتها.

السؤال الأول الذي تفرضه هذه الخلاصة نفسها هو: “هل يعقل منطقا أن يطرح المجلس استراتيجية طاقية بديلة قبل نشر تقييم واضح وصريح يحدد مواطن الإخفاق في هندسة وتنزيل الاستراتيجية السابقة والأسباب الحقيقية وراء ذلك. أم إن الخصوصية المغربية تستوجب طي صفحة الماضي دون تحديد المسؤوليات والدعوة إلى نموذج تنموي جديد، دون مساءلة أسباب فشل النموذج السابق والمسؤولين عن ذلك؟

طالع أيضا  مستجدات السياسة الطاقية والكهرمائية بالمغرب وآفاقها.. ندوة فكرية نظمها القطاع النقابي للعدل والإحسان

وحول دواعي إصدار هذا التقرير، تشير الصفحة السادسة منه، إلى أن الساحة الطاقية الدولية عرفت مستجدات تكنولوجية هامة خلال السنوات الأربع الأخيرة. أفرزت بروز خيارات تقنية تنافسية. مما يستدعي إدماج هذه المتغيرات بغية استشراف أفق طاقي أكثر إشعاعا.

ومن هنا ينبع سؤال ثان: “كيف جاز لمهندس الاستراتيجية الطاقية ولصانع القرار السياسي بتنزيلها أن يحسموا إنجاز مشاريع تصل كلفتها الإجمالية زهاء تسعة ملايير من الدولارات، استنادا إلى فرضيات هشة، وفي ظل وجود خيارات بديلة لم يكن أحد يجادل في فعاليتها وانخفاض كلفتها بما لا يقارن مع نموذج المحطات الشمسية العملاقة التي تم تشييدها في ضواحي وارزازات؟”.

وإلى حدود سنة 2015، أبرم المغرب صفقة من أجل إنجاز محطة ريحية لإنتاج الطاقة الكهربائية بكلفة لم تتجاوز 0,30 درهم للكيلواط ساعة. فكيف إذن يمكن تفسير إصرار نفس المسؤولين على الاستمرار في هدر المال العام بإنفاذ قرار لاحق، يقضي بإنشاء محطة جديدة على غرار سابقاتها باهظة الكلفة وهذه المرة في مدينة ميدلت بجهة درعة تافيلالت. علما أن إنتاج كيلواط ساعة من الطاقة الكهربائية انطلاقا من التقنيات المعتمدة في محطات نور وارزازت 1 و2 و3، يكلف خمسة أضعاف ما تكلفه المحطة الريحية المذكورة. أما إذا قارناه بمحطات فوضوئية تم إنشاؤها خلال السنوات الأخيرة بمنطقة المينا، فإن كلفة الإنتاج التي تتطلبها محطاتنا العملاقة تفوقها باثني عشر ضعفا 2. والنتيجة بحسب التقرير عجز مالي فظيع سجلته الوكالة الوطنية (مازن)، يقدر ب 80 مليون دولار، ينتظر طبعا أن يتم تسديده من جيوب المواطنين. ناهيك عن النقص الهائل في الفعالية الإنتاجية للمحطات التي يفتخر المسؤولون المغاربة بكونها عملاقة. وهذا موضوع جدير بأن يناقش بتفصيل في وقت لاحق.

ويمضي بنا التقرير الذي تطلب إنجازه من المجلس المتخصص أصلا، أن يستعين بخبراء دوليين وأن يعقد ما يناهز 63 جلسة استماع مع قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وطنية وهيآت نقابية ومدنية، ليستعرض الوصفة المستجدة من التوجهات الاستراتيجية الجديدة في مجال الطاقة. إذ يؤكد التقرير على ضرورة الرفع من حصة الطاقة الفوطو ضوئية والعدول عن خيار المحطات الشمسية المركزة، مع العمل على تطوير مساهمة البعد الترابي في السياسة الطاقية من خلال تشجيع المشاريع ذات الطبيعة اللامركزية. كما دعا التقرير إلى تعزيز التكامل بين السياسات القطاعية بما يخدم إنجاح الرهانات الطاقية، مؤكدا على ضرورة الاهتمام بالطاقة الهيدروجينية، وإعطاء دفعة قوية للخطة الوطنية في مجال المجاعة الطاقية وتشجيع الاستثمار في التنقل المستدام، والرفع من إشراك المواطن وتحسيسه. وهنا لا بد من طرح تساؤل يشترك فيه المتخصص وغير المتخصص: “هل هذه التوجهات جديدة حقا. وهل كانت غائبة ساعة الإعلان عن سياستنا الطاقية ولم ينبه إليها أحد طيلة السنوات الماضية. أم إن طرحها من قبل المجلس شرط لازم ليتم تفعيلها؟”

طالع أيضا  مستجدات السياسة الطاقية والكهرمائية بالمغرب وآفاقها.. ندوة فكرية نظمها القطاع النقابي للعدل والإحسان

قد لا يسعنا الصبر كي ننتظر من المجلس جوابا على هذا السؤال البديهي. إذ تعلمنا التجارب العديدة من حولنا في المغرب العربي وفي منطقة المينا، أن هذه التوجهات كانت متداولة ومعروفة بل ومجربة ساعة الإعلان عن استراتيجيتنا العتيدة. ومنذ ذلك الوقت، لم يتردد عدد من الخبراء الوطنيين الغيورين على بلدهم في تكرار النصيحة تلو النصيحة أن المسؤولين عن الشأن الطاقي في بلدنا ماضون في الاتجاه الخطأ.

وحتى لا نثقل على المجلس، إن كان في نيته أن يتكرم علينا بتوضيحات حول أسئلتنا السابقة، نختم بسؤال أخير نعتقد أن عليه أن يجيب عنه الرأي العام الوطني بكامل الصراحة والوضوح: “كيف يعقل أن يصدر المجلس قبل سنة من هذا التاريخ، ضمن تقريره السنوي لسنة ينظر التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2018، 3.2018، تشخيصا مناقضا ثمن فيه نجاح الجهود الوطنية في إطار الاستراتيجية الطاقية التي تتقدم نحو تحقيق أهدافها المرسومة؟”.

لا نريد أن نخوض في تكهنات حول إجابات محتملة، ولا أن نسترسل في طرح الأسئلة. ولكننا على سبيل الختم نقول: إذا صح أن ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ راسخ في دستور هذا البلد الحبيب، فلا أقل من محاسبة المسؤولين عن الاختيارات الطاقية الفاشلة وعن التلاعب الحاصل في تنزيلها، ما دامت المؤسسات الرسمية اليوم تعلن أنها مقتنعة بهذا الفشل.


[1] رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في إطار إحالة ذاتية تحت عنوان “تسريع الانتقال الطاقي لوضع المغرب على مسار النمو الأخضر” يوليوز 2020، منشور بالموقع الرسمي للمحلس على العنوان التالي https://www.ces.ma.
[2] يكفي الرجوع إلى التقرير نفسه للتأكد من أن كلفة إنتاج الكيلواط ساعة انطلاقا من هذه المحطة الفوطو ضوئية لا تتجاوز 0,13 درهم.
[3] تاريخ الإصدار: يوليوز 2019، منشور بالموقع الرسمي للمحلس على العنوان التالي https://www.ces.ma.