عقدت جماعة العدل والإحسان مجلساً آخر من مجالس النصيحة المركزية عن بعد، ليلة الجمعة 03 ذي الحجة 1441 الموافق لـ 24 يوليوز 2020، في موضوع: “صلة الرحم، الأبعاد الإيمانية والسلوكية” بمناسبة العشر الأوائل من ذي الحجة.

وقد افتتح المجلس بآيات بينات تلاها القارئ لحبيب صدقي، قبل أن يشرع مسير النصيحة الدكتور عبد الصمد الرضى عضو مجلس إرشاد الجماعة في التذكير بالأهداف المرجوة من هذا اللقاء، أجملها في التذكير بأن الصلة بين العبد وربه، وأن الصلة بين العبد وأخيه بجميع مستويات الأخوة، وأن الصلة بينه وبين العالم بأسره، هي صلة ربانية ورحمة سارية في سلوك المؤمن إلى يوم الدين.

وأكد الرضى أن مجلس النصيحة يتطلب تجديد النية  ورفع الهم وحسن التوجه إلى الله لكي تسري فينا معاني النصح بما هي إخلاص وقوة وعمق، ومعاني النصح بما هي تشاور وتعليم وإسهام في إصلاح المجتمع وإعادته إلى ربه والرجوع معه إلى دينه.

وفي مادة المدارسة وقف الأستاذ الداعية بنسالم باهشام متدبراً قوله تعالى في الآية 21 من سورة الرعد: “وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ” متناولا إياها بالدرس والتفسير واستنباط العبر والمعاني.

موضحا أن هذه الآية تحمل ثلاث صفات لأولي الألباب، وقد ذكر المولى عز وجل تسعاً منها في هذه السورة، سردها الأستاذ ليضع الآية في سياقها، وليربط كل واحدة منها بموضوع المجلس. ثم انتقل فالصفة الأولى هي الذين يوفون بالعهد ويعلم صاحبها أنه تعاهد مع الله ألا يعبد غيره، وأن لا يخضع ولا يتقرب لغيره، وهذا هو العهد الأول الإيماني، ويتفرع عنه العهد العقدي كل عهد يقطعه هذا المؤمن وهذه المؤمنة سواء بالنسبة لله تعالى أو بالنسبة لخلق الله. ومن هذا العهد تدخل صلة الرحم.

ولا ينقضون الميثاق هي الصفة الثانية، وهو تأكيد لأهمية الأمر، أمر الاستمرار في الوفاء بالعهد، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق. أما الثالثة فتأتي بعد عموم العهد والميثاق بقوله تعالى “وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” وذلك للتفصيل بتطبيق هذا العهد، وجاءت مجملةً لتدل على أن كل ما أمر الله به أن يُوصل يَصِلُونَهُ، ولتدل هذه الصيغة المجملة على الطاعة الكاملة والاستقامة الواصلة.

والصفة الرابعة أنهم يفعلون كل هذا ولا يمنون على الله عز وجل بأفعالهم “وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ“، ولا يُخشى الله حقيقة إلا عن علم. والخامسة هي “يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ” فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويَزِنُونَ أعمالهم قبل أن توزن، ويتجنبون كل قطيعة رحم لعظم جرمها. والمؤمن إذا سَلسَلَ الأنساب فسيدخل كل المؤمنين في صلة الرحم.

وذكر الأستاذ بنسالم قوله تعالى في الحديث القدسي الصحيح إسناده الذي أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “قال الله تعالى: أَنَا الرَّحْمَنُ أَنَا خَلَقتُ الرَّحِمُ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ“. وصلته أي أحسنت إليه وأنعمت عليه، وقطعته أي أعرضت عنه وأبعدته عن رحمتي.

طالع أيضا  برنامج مجلس النصيحة المركزية عن بعد في موضوع الحياء من الله تعالى

والصفة السادسة “الذين صبروا ابتغاء وجه ربهم” فأنت حين تتعامل مع أقربائك سيصلك منهم الأذى، ولهذا جاءت صفة الصبر بعد الوصل، والصبر ألوان وله مقتضيات ودوافع حاول الأستاذ بنسالم التفصيل فيها. والصفات المتبقية هي “وأقاموا الصلاة” و”أنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية” و”يدرءون بالحسنة السيئة” اتصالاً بالله عز وجل واستمداداً منه سبحانه، ورحمة بكافة خلقه.

وتطرق الأستاذ عبد اللطيف برشيلي إلى معاني الإحسان في صلة الأرحام من خلال الحديث الذي ترويه سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله” رواه البخاري ومسلم. وأضاف المتحدث قول الإمام النووي رحمه الله الذي قال: صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة وتارة تكون بالزيارة والسلام وغير ذلك.

وأضاف برشيلي أن صلة الرحم من أعظم القربات إلى الله تعالى، ولهذا أولى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لصلة الرحم المكانة الخاصة في مكتوباته وتوجيهاته وإرشاداته. بل وجعلها أساً في بعض شعب الإيمان التي خطها الإمام، وتطرق لها الإمام في ثنايا مكتوباته الأخرى، إذ تعتبر صلة الرحم بمعناه الخاص والعام ركيزة أساسية في بناء العمران الأخوي المنشود في الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

ومن جانبه أوضح الأستاذ لحسن شعيب قبسات عملية من سيرة الصحابة رضي الله عنهم في معاني صلة الأرحام التي تجسد هذا الخلق العظيم، لنتعلمه كما نتعلم الحلم.

وأضاف المتحدث أنه بصحبة واصلي الرحم نتعلم هذا الخلق، وقد قال ميمون بن مهران رضي الله عنه: قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “لا تصاحب قاطع رحم، فإن الله تبارك وتعالى لعنه في آيتين في القرآن“.

وقد أكد شعيب بأن صلة الرحم واجبة حتى لو كان الأقارب على غير دين الإسلام، وذكر قصصاً من سيرة الصحابة من بينها أسماء بنت أبي بكر تزورها أمها وهي مشركة، فيأمرها صلى الله عليه وسلم حين استئدنته أن تبر أمها.

وعملاً بسنة المدارسة عقب الأستاذ محمد الريمي على المداخلات السالفة بقوله تعليقا على الآية الكريمة، أن المومن يعظم ما أمر الله به لأنه بكل بساطة أمر الله، ولأن فيه تعظيم الله عز وجل، لأنه سبحانه أمر بالوصل لا بالقطيعة. وأكرم به من وصل اتصال العبد بالمعبود والمحب بالمحبوب. لذلك كان من أجلّ بواطن الوصل بالله وأرفع مقامات الاتصال بالله الصلاة، وما سميت الصلاة صلاة إلا لأنها طريق الوصل والاتصال به سبحانه.   

طالع أيضا  مجلس النصيحة عن بعد: الاعتصام بالله تعالى (فيديو)

ثم تلاه تعقيب الأستاذ عبد الله الهيلالي في نقطة تلقي الصحابة رضوان الله عليهم صلة الرحم عن طريق الصحبة والتشرب من قلب وفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى كمال الاتباع الذي عاشوه رضوان الله عليهم، فقلما لا نجد عبارة “كان موصولا لرحم” في مناقبه وفي ترجمته. مقدماً بعض النماذج من مثل علاقة سيدنا أبي بكر بمسطح بن أثاثة، وشهادة بليغة في سيدنا أبي بكر من ابن الدغنة.

ثم ذكر الهيلالي أيضاً شهادة سيدنا علي كرم الله وجهه في سيدنا عثمان بن عفان بقوله فيه: “رحمك الله يا عثمان، كان أوصلنا للرحم وأتقانا لله“. 

وتناول الكلمة في ختام الجلسة الليلية الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي للحديث في المناسبة عن موضوع صلة الرحم وأيام العشر من ذي الحجة. وقد ذكر في البداية موسم الحج الذي نعيشه هذه الأيام، حيث يأتي الناس شعثا غبراً يقصدون الله عز وجل، فيغفر الله لهم.

وأكد الأستاذ عبادي أن هذا موسم الخيرات، تنادينا فيه رحمة الله عز وجل بأن هلموا إلى رب كريم حنان منان جواد قريب مجيب، الله ينادينا بأن نبادر بالتوبة إليه، وليس المطلوب أن نكون في مكة المكرمة، فالله في كل مكان وهو المقصود، فربما خطوات القلب يخطوها الإنسان إلى الله عز وجل وهو أبعد الناس عن مكة يكون أقرب إلى الله عز وجل ممن يقف في عرفة، فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.

وذكر المتحدث أن هذه الأيام حلت بنا والبشرية تئن تحت وطأة هذا الوباء الذي فتك بآلاف من الناس، وتعرض للإصابة به ملايين الناس، وأربك حياة الناس، فهو فتنة من الله تعالى. فمع بدايته بدأت البشرية تبحث جاهدة عن وسائل العلاج ووسائل الوقاية، وتسابق الزمان لإيجاد علاج لهذا الوباء، وهذا أمر مطلوب، بل وواجب بالنسبة إلينا نحن معشر المسلمين، امتثالاً لأمر رسول صلى الله عليه وسلم: تَدَاوَوْا عباد الله، فإنَّ الذي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ. واجب علينا الأخذ الأسباب، وأوجب من أخذ الأسباب الرجوع إلى مُسبِّبِ الأسباب، الذي بيده كل شيء.

ثم أكد الأستاذ عبادي على عظم هذه الأيام االمباركة لتي نعيشها، وهي أفضل أيام السنة، وأفضل حتى من العشر الأواخر من رمضان بالنسبة للأيام وليس لليالي، وهذا إذاً موسم القربات إلى الله عز وجل، والله سبحانه أرشدنا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نقبل عليه سبحانه في مثل هذه الأيام وذلك في الحديث المشهور: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ“.

طالع أيضا  حسن الظن بالله وبخلقه موضوعاً لمجلس النصيحة المركزية

وفصَّلَ المتحدث في العمل الصالح المطلوب أن نتقرب إلى الله به في مثل هذه المناسبات، وقسمها إلى قسمين: عمل تعبدي قاصر في علاقة كل واحد منا بربه، وهناك عمل متعدي اجتماعي، يتعدى الفرد إلى الآخرين، وينبغي أن نمارسهما معاً. فأول الأعمال التعبدية التوبة إلى الله عز وجل، فالله يتقبل من المتقين وإذا لم يتطهر الإنسان من الحقد والغل والكراهية والحسد والنفاق ومما مارسه في حق الناس فلا تنفعه عبادة. ومع التوبة الإكثار من الاستغفار، فرسول الله يقول: “مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا” فلا مخرج من الهم الذي تعيشه البشرية إلا بلزوم الاستغفار والإكثار منه. والمطلوب كذلك من الأعمال التعبدية الصلاة ذات الخشوع والخضوع، وإلا فإن المجردة من هذا اللب مردودة على صاحبها. وكذلك الإكثار من الدعاء، الذي يكشف به الله الضر ويرفع به البلاء ويسارع القدر. وأيضاً قراءة كتاب الله عز وجل والإكثار من الذكر، لقوله صلى الله عليه وسلم: “فأكثروا فِيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ“.

وإن كانت هذه الأعمال الفردية التعبدية التي نتقرب بها إلى الله، فإن الأعمال المتعدية هي أكثر أجراً وثواباً وتقربا من الله سبحانه وتعالى، وعلى رأسها الصدقة لأنها تقي مصارع السوء، فللمتصدق ضمانة أنه لن يموت موتة شريرةً، وهي تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار. 

وختم الأستاذ عبادي بالحديث عن أعظم ما يمكن أن نتقرب به إلى الله في هذا الموسم وهو المواساة، فالصحابة أنصاراً ومهاجرين عاشوا حقيقة هذه المواساة، فالأنصار اقتسموا مع إخوانهم المهاجرين كل ما لديهم دوراً وأموالاً، ودعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون مثل الأشعريين وكانت بينهم هذه المواساة لقول النبي عليه السلام: “إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم“، ودعا المتحدث أن نسلك هذا المسلك، وإن لم نفعل هذا ولم نسلك على المنهاج فلسنا حينها منه ولا هو منا. فعلينا أن نشارك الناس في آمالهم وآلامهم وفي أحزانهم.

وأوصى في آخر كلامه بأن نقوم بهبة إيمانية ندعو الناس إلى الله عز وجل، وننادي في الناس بصوت مرتفع، لأن الصوت المادي الآن هو الغالب والمسيطر والمهيمن، وندعو الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى العودة إلى الله والتوبة إليه، عسى الله أن يغفر لنا ويرحمنا.

وبعد ليل التبتل والقيام والقرآن والذكر، كان الموعد في الجلسة الصباحية مع الأستاذ محمد المنور في موعظة تذكيرية بصلة الأرحام، وبعدها كان المتناصحون على موعد مع جلسة الشروق قراءة للسور والآيات الفاضلات وذكرا وتسبيحا.