الحمد لله الذي أمرنا بطاعته، ونهانا عن معصيته، ودلَّنا على تعظيم شعائره بفضله ومنته، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيب قلوبنا محمدًا عبده ورسوله خير الخلق أجمعين. اللهم صلِّ وسلم عليه في الأولين والآخرين، وارض اللهم عن آله الطاهرين، وعن صحابته الغُرِّ الميامين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا رب العالمين.

v   فما معنى شعائر الله؟

الشعيرة: مَظَاهِرُ العِبَادَةِ وَمُمَارَسَتُهَا، شَعَائِرُ الْحَجِّ: أَعْمَالُهُ، مَنَاسِكُهُ،

وفي قوله تعالى: يآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ 1معنى الآية: مَا يُقَدَّم مِنْ حَيوانٍ أُضْحِيَةً لِبَيْتِ اللَّهِ.

وشعائر الله بالمعنى الواسع، ما يدل على الله: (القرآن من شعائر الله، الصلاة من شعائر الله، الصيام من شعائر الله، الحج من شعائر الله، كل شيء يدل على الله وعلى دينه فهو من الشعائر).

 قال الأزهري: “الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها” 2.

ويقول سيدنا عطاء رحمه الله من أن معناه: “لا تُحِلوا حرمات الله ولا تُضَيِّعُوا فرائضه، لأن الشعائر جمع شعيرة وهي على وزن فعيلة واشتقاقها من قولهم شَعَر فلان بهذا الأمر إذا عَلِم به، فالشعائر المعالم من ذلك، وإذا كان كذلك، وجب حمل الآية على عمومها فيدخل فيه مناسك الحج وتحريم ما حرَّم في الإحرام، وتضْييع ما نهى عن تضييعه واستحلال حرمات الله، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لأن كل ذلك من معالمه، فكان حمل الآية على العموم أولى” 3

v   ما المقصود من العبادات والأعمال الإيمانية؟

شرع الله عز وجل الشرائع والعبادات ونوعها لعباده، وجعل الحكمة الجامعة بين هذه العبادات ومقصودها الأسمى توحيد الخالق وعبادته وإقامة ذكره سبحانه وتزكية النفوس وتدريبها على فضائل الأعمال.

فليس المقصود من العبادات مجرد القيام بحركات متفرقة وأعمال ظاهرة، ولكن المقصود تحقيق معاني العبودية، بأن يخضع العبد لربه ومولاه لتأتي الثمرة وهي تقوى الله، وفي ذلك قوله تبارك وتعالى: ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ 4 لم يقل سبحانه من تقوى الجوارح، فإذا خشع القلب واتقى، خشعت سائر الجوارح، كما جاء ذلك في صحيح البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ “.

إن العبادات تصقل قلب الفرد و تشرح صدره ببركة الصحبة و الذكر، و ينعكس ذلك على الجماعة صلاحا وصفاء و إبعادا لكل أسباب الفرقة و الأنانية و الشح. قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في فقرة “شعب الإيمان” من “كتاب الإحسان 518/519”: “الأعمال الإيمانية المكمِّلة لشعب الإيمان المتكاملة معها هي مراسيم الولاء لله عز وجل والطاعة له. مناطُها ذمة المؤمن وقيمتها الروحية التي بها يكون لها المغزى في الدنيا والخلود في سجلات الملائكة والقبول عند الله عز وجل هي ما صحبها من إخلاص لله رب الجلال عند أدائها، وما صحبها من تقوى”. إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ 5

لا يعظم شعائر الله تبارك وتعالى إلا من عظم الله واتقاه وعرفه وقدره حق قدره، قال بعض السلف: “خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحِ منه على قدر قربك منه”.

طالع أيضا  فضل أيام عشر ذي الحجة

v   تعظيم شعائر الله و مقتضيا ته

الله جل جلاله هو العلي العظيم، فالعظمة صفة من صفاته، وآية من آياته، وتعظيمه تعالى بتبجيله وإجلاله، ونحن ننحني إجلالاً له في كل ركعة نركعها، وأمرنا بأن نعظمه في هذا الركوع ونردد في إخبات وخشوع، وتذلل وخضوع: سبحان ربي العظيم.

  في تعظيم شعائر الله تَجَلٍّ لشكر الله عز وجل، وامتثال لطاعة رسول الله صلى الله عليه، وبرهان الصدق في الطلب.

التعظيم في اللغة مصدر عظّم -وهو عمل قلبي- بمعنى أننا نعظم الأمر تعظيما وتوقيرا وتجليلا واحتراما وعلوا. وهو ضد التنقيص والتحقير.

فأداء الشعيرة شيء، وتعظيمها شيء آخر (أبلغ وأشمل من فِعْله أو أدائه أو عمله)، فالله عز وجل ينتظر منا فضلاً عن تأدية الشعائر تعظيمها، ومن تعظيمها أن يدخلها العبد طاهرا مطهرا طهارة كاملة من أجل أن يتحقق التناسب بينه وبين زمان ومكان الشعيرة. ومن تعظيمها كذلك أن يؤديها العبد كما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، بشوق وطيب نفس ونية وإخلاص، لا على تأفف وتضجر. هذه المحبة للتكاليف، عبَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: “وجُعِلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة”.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في فقرة “النية والإخلاص” من كتاب المنهاج النبوي: “الإخلاص لله أن نجمع ونربي وننظم ونقيم أمرنا على كتاب الله وسنة رسوله لتكون لنا جماعة وإمامة”.

كما ذكر رحمه الله أمثلة لتعظيم شعائر الله في المنهاج النبوي الشعبة التاسعة والخمسين (الجمعة والعيدان): “اغتسال يوم الجمعة ولباسها تعظيم وتفخيم، التبكير إليها، المشي إلى المساجد وإكثار الخطى في الغلس، الجلوس حيث انتهى بك المجلس لا تتخطى رقاب الناس، الإنصات للإمام، تحري ساعة الاستجابة”.

v   توصية ختامية

طالع أيضا  العشر من ذي الحجة.. أفضل الأعمال في أفضل الأوقات

أخذ علينا العهد العام من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون مُعظم قصدنا من العبادات والشعائر امتثال أمر الله عز وجل، والتلذذ بمناجاة الحق، لا طلب أجر أخروي فقط، فإن من قام بها لأجل حصول الثواب وحده كان عبدا للثواب لا عبدا لمولاه سبحانه.

فمن دناءة الهمة ظهور كثير من مخالفات التعظيم، والاستخفاف بشعائر الله عز وجل وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتكاسل والتباطؤ عن تنفيذ أمر الله وشرعه، ومن معاني تعظيم شعائر الله ويقظة القلب، أن نعَظّم ما عظم الله تعالى، ونُقبل على أوامره سبحانه ونجتنب نواهيه، ونتبع ونحيي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فكل ما غفل عنه الناس من سنته صلى الله عليه وسلم لا نغفل نحن عنه، ونتجنب المحرمات والشبهات، فقد روى الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يغار، وغيرته أن يأتي المؤمن ما حرم الله». قال المؤمن، ولم يقل المسلم. فالمؤمن بإتيانه ما حرم الله جحد نعمة الإيمان فاستحق أن يغار الله من سلوكه.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب المنهاج النبوي: “رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم… لذا يجب على المؤمن أن يكون في يومه وليلته معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو”.

وعلى الله قصد السبيل…


[1] سورة المائدة، آية: 2.
[2] النهاية المجلد الثاني 479.
[3] التبيان ج 3 ص .418
[4] سورة الحج .الآية32.
[5] سورة المائدة، الآية 27.