دق الصحافي المغربي علي أنوزلا ناقوس الخطر اتجاه “صحافة التشهير والتنمّر”، التي أصبحت ظاهرة لا تهدد فقط مهنة الصحافة في المغرب، وإنما تؤثر على “كيفية نظر الناس إلى مهنة المتاعب، وخصوصا الأجيال الصاعدة، سيما في ظل تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح للجميع فرصة استعمالها للتعبير عن آرائهم”.

وبينما توصف الصحافة بأنها “سلطة مضادّة، تمثل صوت الشعب ومحامي المصلحة العامة”. شدد الكاتب، في مقال له في صحيفة العربي الجديد، على أن صحافة التشهير في المغرب “أصبحت لها مقاولات صحافية كبيرة ترعاها، منها من تحظى بقرب السلطة وعطفها”.

وأشار إلى أن بيان “المانفستو” الذي وقّعه أكثر من مائة صحافية وصحافي ضد تغوّل هذا النوع من الصحافة، في ثاني بادرة خلال أقل من سنة، “جاء ليدقّ ناقوس الخطر قبل فوات الأوان”.

المفروض في الصحافة أن تمثل قدوة المجتمع، وتهذّب أخلاق الناس وذوقهم، يقول أنوزلا ثم يضيف “لكنها هي التي أصبحت تنشر هذه الثقافة السلبية التي تستهدف حياة الناس الخاصة، وتخوض في تفاصيل حياتهم الحميمية، وتشوّه صورهم داخل المجتمع”.

وشدد المتحدث على أن الأمر في المغرب لا يتعلق بحالاتٍ فردية، أو بمواقع إلكترونية أو صحف تفتقد المهنية، وإنما أصبح “خطّا تحريريا” رسميا، “تتبنّاه مقاولات إعلامية كبيرة مقرّبة من السلطة، أو تحظى بدعمها. وغالبا ما يتم ذلك بتواطؤ معها. وفي حالات واضحة، بدعم وحماية منها”.

يوضح أنوزلا في مقاله أن الأمر يختلف عما تعرفه “الصحافة الصفراء أو الشعبية في دول أوروبية” التي تحصر أهدافها في الوصول إلى جمهور أكبر، “وإنما أصبح خطّا تتبنّاه هذه الصحافة لمهاجمة معارضين للسلطة أو أشخاص لهم آراء مستقلة، وليست بالضرورة مختلفة عن التي تتبناها السلطة وتدافع عنها”.

وذهب صاحب المقال إلى أن هذه “الانزلاقاتٍ” التي باتت تعرفها المهنة النبيلة، “لم يسلم منها حتى الصحافيون أنفسهم، حتى أصبحنا أمام ظاهرة صحافة تأكل أبناءها، ممثلة في صحافة متخصصة في السب والقذف والتشهير الذي لم يعد يستثني معارضين أو شخصيات عامة معروفة بمواقفها المنتقدة أو فقط المستقلة، وإنما يطاول صحافيات وصحافيين تهمتهم الوحيدة أنهم أصحاب آراء ومواقف”.

طالع أيضا  أزيد من 100 صحافي يستنكرون "تغول" صحافة التشهير بدون حسيب ولا رقيب

وعزز موقفه بما وقع للصحافية هاجر الريسوني وبعدها الصحافي عمر الراضي الذي يخضع لتحقيق الشرطة معه، “لكنّ مواقع إلكترونية وصحفا نصّبت نفسها في مواقع الادعاء العام، ووجهت له تهما ثقيلة، ونهشت حياته الخاصة وحياة أسرته الصغيرة. وكل ذنب عمر وهاجر، وقبلهما صحافيات وصحافيون عديدون تعرّضوا للتشهير والتنمّر من “زملاء” لهم في المهنة، أنهم صحافيون مستقلون”.

وبينما أوضح أن هذه الظاهرة “مجرّمة بنص القانون، ويحرّمها ميثاق أخلاق المهنة الذي صادق عليه المجلس الوطني للصحافة المكتوبة، وهو هيئة رسمية”، كشف في المقابل أن هذا المجلس اكتفى بوصف تجاوزات صحافة التشهير، بأنها مجرّد “خروقات!”.

ولم يقف أنوزلا هنا، بل اعتبر أن “المجلس سبق له وأن أعلن تلقيه عدة شكاوى، من أشخاص ذاتيين واعتباريين، تتعلق باتهامات خرق أخلاقيات الصحافة، من صحف ووسائل إعلام ومن صحافيين، وتمت إحالتها على لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، كما تنص قوانين المجلس التأديبية، ثم لم تصدر أي قرارات عن المجلس بخصوص تلك الشكاوى، على الرغم من مرور أكثر من عشرة أشهر على صدور بيانه”.

ولفت الكاتب إلى أن هذا النوع من الصحافة ظهر في المغرب عندما وجدت السلطة نفسها في مواجهة مظاهرات الشارع بعد “الربيع العربي”، “فلجأت إلى خلق صحافتها ورأيها العام داخل وسائط التواصل الاجتماعي، وأوكلت إلى هذا النوع من الصحافة مهمة استهداف معارضيها، والتشهير بحياتهم الخاصة، للنيْل من مصداقيتهم”.

وسرعان ما تحولت مواقع إلكترونية وصحف بائسة، وضعت نفسها رهن إشارة السلطة لمهاجمة معارضيها يقول أنوزلا؛ إلى “مقاولاتٍ كبيرة تحظى بالدعم من المال العام وبالحماية من السلطة وأجهزتها. ونادرا ما يدين القضاء قضايا التشهير التي يرفعها المتظلمون منها أمامه، خصوصا إذا كانوا معارضين أو فقط مزعجين، في رأي السلطة”.

طالع أيضا  أزيد من 100 صحافي يستنكرون "تغول" صحافة التشهير بدون حسيب ولا رقيب

ويرى الكاتب أن هذا النوع من الصحافة انتقل إلى المغرب “من التجربة التونسية السيئة الذكر في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي حوّل الحياة الخاصة لمعارضيه إلى مادة إعلامية للتشهير بهم، والنيْل من كرامتهم وشرفهم. وباتت الصحافة المصرية، في عهد الرئيس الانقلابي عبد الفتاح السيسي، نموذجا يُحتذى لدى هذا النوع الرديء من الصحافة الذي يسيء إلى المهنة، فيما مبادئ وأخلاق وتربية أيديولوجية في المغرب حكمت الذين اختاروا مهنة المتاعب في زمن كان فيه الاختيار يؤدّي إلى السجن أو المنفى أو الاغتيال”.