بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم

1-   اطلبوا الخير دهركم

أخرج الطبراني في الكبير وفي الدعاء، والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، والقضاعي في مسند الشهاب عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “افْعَلُوا (وفي رواية: اطلبوا) الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ (زاد في رواية: كله)، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ”..
وأخرجه الطبراني في الدعاء والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا في (الفرج بعد الشدة) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ» فذكره بمثله وأخرج الطبراني في الكبير وفي الأوسط عَنْ مُحَمَّدِ ابن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا”.
فالمؤمن السالك إلى الله حريص على اغتنام المواسم الفاضلة، حريص على التعرض لنفحات رحمة الله، حريص على طلب الخير الدهر كله. فما أن تحل مواسم الخير إلا وتجده قد شمر عن ساعد الجد، وجدد النية والتوبة، وأقبل على ربه بكل أصناف الأعمال الصالحة في شوق ورغبة ورهبة. لعل أن تصيبنا نفحة من رحمة الله فلا نشقى بعدها أبدا.

2-    الأيام العشر من ذي الحجة والتعرض لنفحات رحمة الله

إنها أيام التوبة، إنها أيام الإقبال على الله، إنها أيام نفحات رحمة الله، إنها أيام العشر من ذي الحجة، فلا تكن من المغبونين، ولا تكن ممن استوت عنده الأيام، فما فرقوا بين يوم ويوم، ولم يكن غدهم خيرا من أمسهم، ولم تكن أيام أعمارهم القابلة خيرا من أمسهم الذاهب. فزن نفسك بميزان الإقبال على الله تعالى وشدة الشوق للتعرض لنفحات رحمة الله، حتى تعلم هل أنت في إقبال أم في إدبار. أجب دعوة الكريم بتوبة نصوح في هذه العشر المباركة.
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(النور: 31)] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً (التحريم: 8).

طالع أيضا  العشر من ذي الحجة.. فضلها، خصائصها، الدروس التربوية المستفادة منها (2/1)

3-   أيام العشر أيام ذكر الله الكريم
أخرج أحمد وأبو عوانة وأبو نعيم في الحلية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». وهو حديث حسن بمجموع طرقه.

وأخرج البيهقي في الشعب نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ِمْن أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ وَلَا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، فإنها أيام التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ”.
إنها العشر، إنها الغنيمة الربانية السنية، فلنكثر فيها من قراءة كتاب ربنا الكريم ومن التهليل والتسبيح، ولنحيي قلوبنا فيها بالإكثار من الكلمة الطيبة، المطيبة المطهرة.

4-   أيام العشر، أيام صوم

 من أفضل القربات إلى الله صيام التطوع، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا” ومن أعظم صيام التطوع صيام العشر من ذي الحجة .قال ابن حجر: “وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ”، فلنحرص على صيام هذه الأيام، خصوصا يوم عرفة.

5-   العشر وقيام الليل

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً(الإسراء: 79) يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً(المزمل: 1-4) فلتتعرض أيها السالك إلى نفحات الله العظيمة وقت النزول في هذه الأيام والليالي المباركة، حيث يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أخرجه الشيخان.

طالع أيضا  الأيام العشر من شهر ذي الحجة.. فضلها، خصائصها، الدروس التربوية المستفادة منها (2/2)

وإذا آنست من نفسك حبا لقيام الليل؛ فهذه علامة حب الله لك، إذ لولا أنه يحبك لما جعلك أهلا لمناجاته.

6-   أيام العشر أيام صدقة وصلة رحمة، وصحبة، ودعوة إلى الله

كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان يتجاوز المدى بجوده في الأيام الفاضلة، فلنكثر من الصدقة في هذه الأيام الفاضلة، ولنتفقد ذوي رحمنا، ولنكرم ضعيفهم، ولنغني فقيرهم عن السؤال، وبذلك نغنم الفضلين، فضل الصدقة وفضل صلة الرحم. ولنبشر بالخير من نعرف ومن لا نعرف، ونجعل من أيام العشر أيام دعوة إلى الله، تذكيرا بفضلها، وتفقدا وزيارة في حدود الوسع والإمكان. ولنعمق معاني الصحبة المباركة فيما بيننا، ولننشر هذا الخير بين عموم الناس، ولندل عليه ولنرغب فيه بالسمت الحسن والكلمة الطيبة المبشرة، وبالدعاء بالخير لكل الناس، خصوصا في دعاء الرابطة ولنذكر بفضل هذه العشر بكل وسائط التواصل المتاحة.

 رحمنا الله وأياكم، وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.