انطلق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في هذا الشريط من كلمة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول فيها “لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَضَعَ جَبِينِي لِلَّهِ فِي التُّرَابِ، أَوْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَلْتَقِطُونَ طَيِّبَ الكَلامِ كَمَا يُلْتَقَطُ التّمرِ، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ”.

وأخذ الإمام رحمه الله يشرح هذه الكلمة في المجلس المنعقد يوم الأحد 29 رمضان 1423هـ/04 دجنبر 2002م، ومدارستها وفهمها واستخلاص دروسها ودررها بنية التطبيق، موضحا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الصالحين من عباد الله حرية بأن تفهم في ظروفنا ووفق همتنا وفهمنا.

وذهب الإمام في كلمته إلى أن الكثير من الناس يقرؤون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحاديثه وسيرة أصحابه الكرام وهم ساهون نائمون، مشددا على أنه “ينبغي أن نعيش ما نقرأ في معانيه العظيمة، نفهم السنة في كليّتها وبكل تفاصيلها، فلا نجتزئ منها ما يخدم الهمة الهابطة”.

وأشار إلى أن صاحب الهمة القاعدة الفاترة الباردة لا ينبغي أن يقيس حاله على حال الصحابة الكرام، كما تقيس الفَحمة الباردة نفسها على الفحمة المتّقدة، وكما يقيس المصباح المنطفئ نفسه على الشمس. تلك حال من يقتصر على سنة واحدة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم في ملبسه ويهمل سننا عظيمة أخرى، لا توافق نفسه الأمارة وهمته السطحية الهابطة، وقد يكون اتباع السنة بما يوافق الهوى سببا في الإبعاد والابتعاد عنها أيما إبعاد. نعوذ برحمة بالله وبلطفه.

ووقف رحمه الله في هذا المجلس على مقتطفات من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يحمل همّ الأمة كلها، وفي فترة حكمه لم يكن النوم يجد إليه سبيلا، وكان يعسّ بالليل، ويتفقد أهل المدينة ويخدمهم.

طالع أيضا  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحق الفلسطيني

وأورد في هذا السياق ما قاله سيدنا زيد بن أسلم: “خرج عمر بن الخطاب ليلة يحرس، فرأى مصباحا في بيت فدنا فإذا عجوز تطرق شَعرا لها لتغزله -أي تنفُشه- بقِدحٍ وهي تقول:

عَلى مُحَمّدٍ صَلاةُ الأَبرار

صَلّى عَلَيكَ المُصطَفَونَ الأَخيار 

قَد كُنتَ قَوّاماً بُكى الأَسحار

يا لَيتَ شِعري وَالمَنايا أَطوار 

هَل تَجمَعَنّى وَحَبيبيَ الدّار؟

تعني النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر يبكي، فما زال يبكي حتى قرع الباب عليها، فقالت: من هذا؟ قال: عمر بن الخطاب، قالت: ما لي ولعمر؟ وما يأتي بعمر هذه الساعة؟ قال: افتحي رحمك الله! فلا بأس عليك، ففتحت له فدخل فقال: ردي عليّ الكلمات التي قلتِ آنفا، فردّتها عليه، فلما بلغت آخرها قال: أسألك أن تدخليني معكما، قالت: “وَعُمَر فَاغفِر لَهُ يا غَفّار”.

وجعل الإمام رحمه الله يتأمل في كلمات سيدنا عمر، وفي التحول الذي لحقه، كيف كان قاسي القلب في الجاهلية وكيف صار مشتاقا لأحبابه، بكّاء قريب الدمع يلتمس الدعاء من العجوز المسكينة المُحبة للجناب الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

سيدنا عمر رضي الله عنه والعجوز | الإمام عبد السّلام ياسين