استقر في تَمَثُلَاتِنَا أن مصطلح الرجم يحيل على حدٍّ او عقوبة مادية تفضي إلى قتل مادي، في حين أن لفظ الرجم ذكر في القرآن الكريم بعيدا عن هذا المعنى، أو بالأحرى قد يشكل القتل المادي أحد آثاره ولوازمه. ولأننا نقرأ القرآن قراءة طقوسية محصورة في السلوك الفردي، فإن مصطلح الرجم وغيره يضيع فهمه خارج حركيته وديناميته في سياق التدافع السياسي، وسياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكلمة والحجة. في مواضع متعددة يطلعنا القرآن الكريم أن السلطة المستبدة تلجأ مع من يخالفها الرأي والعقيدة إلى التهديد بالرجم ثم إلى ممارسة الرجم سواء المادي منه او المعنوي، يقول الله تعالى على لسان قوم نوح: قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ، ويقول الحق سبحانه على لسان آزر: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، وقوله سبحانه في سورة يس: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، وقد كان أسلوب الرجم دائع الممارسة بين السلط الحاكمة، وحاضرا في وعي كل من يمارس المعارضة بدليل قوله تعالى على لسان فتية الكهف:
إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا.
وانطلاقا من سياق هذه الآيات فإن مفهوم الرجم يأخذ معاني متقاربة، منها ما يدل على مصاديق الأصل، كالشتم والسب وقبيح القول، والطرد واللعن والهجرة وقطع اللطف والرحمة… ومنها ما يدل على آثار الرجم كالقتل بنوعيه المادي و المعنوي. وباستحضارنا لمعاني الرجم المذكورة، سنلمح اليوم أن كل السلطات المستبدة، ومن خلال مؤسسات الشرطة والقضاء والإعلام تمارس الرجم بالغيب في أقسى صوره على من يخالفها الرأي، أو يعارض سياساتها؛ ومن أساليب هذا الرجم قذف المعارضين بالتهم الأخلاقية، ورميهم بالفاحشة من غير دليل ولا برهان، أو من خلال “فَبْرَكَةِ” الأدلة وتزويرها. ولئن كان الرجم بالحجارة يفضي إلى الموت والقبر، فإن الرجم بالتهم الأخلاقية الماسة بالشرف والعِرض والسمعة، تفضي إلى قتل الكرامة وإقبار إنسانية المرجوم، وتحريض الناس على هجرانه وطرده من كل معالم الحياة الاجتماعية، ففي هذا النوع من الرجم قهر للمعارض ومن خلاله كل من تسول له نفسه معارضة السلطة الحاكمة، والدفع به إلى الصمت والتواري خاصة إذا كان المجتمع جاهلا ولديه قابلية تصديق كل ما يسمع.

طالع أيضا  جمعيات تستنكر متابعة الراضي وتندد بالهجوم المتصاعد على حرية الرأي والتعبير

إن السلطات الحاكمة اليوم تمتلك من منصات الرجم المتطورة والمختلفة ما تجعل النخبة قبل العامة لا تصدق فقط ادعاءاتها في حق المعارضين، بل تنخرط في عملية تثبيت الرجم؛ ولعل من أهم منصات الرجم المستعملة: المنابر الإعلامية المأجورة، ومحاضر الشرطة المفبركة، والمحاكمات الصورية، والحملات التشهيرية التشويهية… فالرجم يبدأ بالتهديد من خلال الإرهاصات الإعلامية “لئن لم تنته”، بالدارجة ديالنا “راه إذا ما سكتيش وسديتي فمك غادي تجيبها فراسك”. وعندما لا يكترث المُهَدَّدُ تَزِفُّ لحظة الحرق والقتل المعنوي بالاعتقال والسجن بعد تلبيس المتهم أبغض التهم في المجتمع.

وقد يعتقد الكثير من المثقفين اليوم أن الشعوب والأمم في الماضي الغابر، كانت أشدَّ منا رجما لمعارضيها، والحقيقة أنها كانت على الأقل صادقة وواضحة ومنسجمة مع ذاتها، وتعتقد أنها على صواب، فهاهم قوم نبي الله لوط عليه السلام يعترفون بقولهم: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. أما في عصرنا هذا فكل الموبقات التي ترعاها وتنشرها السلطة عنوة في المجتمع، والتي يتحسسها الأعمى قبل أن يراها البصير، هي التي تَرجِم بها المعارضين وهم منها براء براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
إن القرآن الكريم وهو يطلعنا على نماذج الرجم المتتالية، يُنَبِّهُنَا إلى الطريقة الوحيدة لكبح ودفع الرجم الفردي والجماعي الذي تمارسه السلطة على معارضيها، من خلال تجسيد قوله تعالى على لسان قوم شعيب: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، يعترفون أنه ضعيف ولا قوة له عليهم، لكن مَنَعَتَهُ وسندَه وحاضنتَه هو الرهط. هذا الرهط الذي قد يكون اليوم عبارة عن جبهة حقوقية سياسية نقابية واسعة، كما قد يكون عبارة عن حاضنة شعبية تُسنِد أهل الحق لقول كلمة الحق، والعرب تقول: رَاجَمَ فلان عن قومه أي ناضل عنهم، فكيف يسكتون هم عن رَجْمِهِ؟ فجراحات رجم الحجارة قد تنقضي آلامها وتندمل، لكن جراحات رجم الشرف والعِرض والكرامة والسمعة قد لا تندمل، وقد تبقى آثارها بعد موت صاحبها وصمة في جبين تنظيمه وأولاده وذريته، مما يجعل التصدي لظاهرة الرجم بكل الوسائل المشروعة أمرا واجبا ومستعجلا في حق كل الفضليات والفضلاء دون قيد أو شرط.

طالع أيضا  هيئة أممية تطالب بتمتيع بوعشرين بحريته وتعويضه عن الضرر الذي لحقه