أجرى موقع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حوارا مع فضيلة الأستاذ رشدي بويبري الباحث في علم الاجتماع، وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، يخص بسط وتوضيح بعض معالم فقه الإمام في موضوع سنة الله في خلقه وفي التاريخ.

اجتاح العالم في الشهور الأخيرة، فيروس كورونا المستجد. كيف نقرأ هذا الأمر على ضوء سنة الله في خلقه وفي التاريخ؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكرم المرسلين.

      تعد الأوبئة والأمراض ظاهرة ثابتة في التاريخ البشري صاحبت الإنسان منذ بدايات وجوده على الأرض؛ بل إنها ظاهرة راسخة في العالم الطبيعي ككل. فكل كائن حي وليس الإنسان وحده معرض للإصابة بالأمراض؛ إذ تصاب النباتات والحيوانات بالأوبئة أيضا، بل هناك أمراض أفنت أجناسا من الكائنات الحية غير الإنسان. وكثير من المؤشرات التاريخية تدل على ذلك؛ فحين شرع الإنسان في التأريخ لحياته وأنشطته كان حريصا على تدوين معاناة الجنس البشري مع هذه الظواهر التي طالما اشتدت وطأتها عليه في حقب معينة من تاريخه. ورسمت يد الإنسان صورا متعددة من المآسي التي خلفتها الأوبئة كما رصدت أشكال التعامل معها والأخلاق التي رافقت الإنسان خلالها فضلا عن الخبرات التي راكمتها الممارسة الإنسانية في معالجتها لتلك الظواهر. وهذا ما نجده مسطورا في معظم كتب المؤرخين الأقدمين منهم والمتأخرين، وبهذا نستنتج أن وباء “كوفيد 19” ليس ظاهرة استثنائية أو حدثا غير مسبوق. صحيح أنه يتميز بخصوصية في ذاته وانعكاساته لكنه من حيث المبدأ لا يشكل استثناء. فهذه سنة الله في خلقه أن يبتليهم بالشر والخير لعلل مختلفة ومقاصد متعددة. أولاها افتحاص درجة صبر الصالحين من العباد وتسليمهم لمولاهم في أقداره، وثانيها قهر العصاة والطغاة لئلا يتألهوا على خلقه وليذكرهم بضعفهم وعوزهم وافتقارهم إلى رحمة خالقهم؛ وثالثها جعل المصيبة سببا لما يفتح الله به على خلقه من أنواع الحكمة والمعرفة في مواجهة تحديات الحياة.

طالع أيضا  في زمن المحنة.. دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى

       بناء على ما سبق فما يهم المسلمين من دراسة هذه الظاهرة ومثيلاتها، فضلا عن البحث عن حلول لها وعلاج لتبعاتها، هو أخذ العبرة والبحث عن الحكمة الربانية الثاوية في تفاصيلها أو البارزة في تجلياتها. فالله جل وعلا أخبر الإنسان في كتابه المبين أن لا عبث في الوجود وأن الأمور تجري وفق أقدار وبمقادير حددها الحكيم الخبير سبحانه؛ فالله تعالى هو خالق كل شيء وهو المقدر لكل شيء وهو العليم بكل شيء؛ يقول تبارك وتعالى: إنا كل شيء أنزلناه بقدر (القمر:49) فكل ما يحدث في الوجود لا يقع من تلقاء ذاته بل بعلم الله وإرادته، ويقع لعلة ما، لأن كل الأحداث غائية في طبيعتها. وهذا هو المبدأ الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على أساسه وجاء واضحا في سنته وسيرته.

       فالله عز وجل حين يوقِع مثل هذه الأحداث يُنبِّه الإنسان إلى وضعه الوجودي ويثير انتباهه إلى الغايات الأساسية من الوجود وأن حياته في الأرض لا تعدو أن تكون رحلة موجزة في الزمن مهما طالت سنونها وشهورها. فعلى الإنسان أن يعتبر ويتيقظ لرسالته الوجودية التي تسمو به عن دوابيته. وحين يغفل البشر عن هذه الحقيقة تأتي القوارع الفردية والجماعية لتذكره بها وتقيم عليه الحجة.        

أظهر هذا الوباء الحاجة إلى الاهتمام بالصحة، والتعليم، وتوفير العيش الكريم، وتعزيز الأواصر الأسرية، والروابط الاجتماعية. ما الذي يقترحه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للنهوض بالمسألة الاجتماعية؟

خلق الله عز وجل الإنسان مكرما وأمده بكل مقومات الحياة وشروط البقاء والتطور، سواء في بعدها المادي أو المعنوي، على أساس هذا المبدأ، وأخبر بذلك تبارك وتعالى بقوله: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات (الإسراء:70)، بل إن من المقاصد الأساسية للشرائع الربانية حفظ الحياة البشرية وتوفير شروط السعادة والهداية للإنسان. لكن هذا الأخير كثيرا ما تنكب عن المنهاج الرباني وصَدَّ عنه، خاصة في المرحلة المعاصرة من تاريخه، وبدلا عنه ظهرت نظريات وفلسفات تُعرِّف الإنسان من زوايا مخالفة تماما للنظرة الربانية وتختزله في بعده المادي الشهواني وحده. وهذا ما حول هذا الكائن المُكرَّم، فطرة، إلى مجرد وسيلة، ولم يعد غاية باعتباره خليفة الله في الأرض. وقد كانت هذه النظرة السبب الرئيس في وقوع المآسي التي عانت منها البشرية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إذ تولد عنها التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وغيره.

طالع أيضا  في فَيْءِ الحِجْر الصِّحِّـيِّ

فالحديث عن المسألة الاجتماعية هو في العمق حديث عن الشروط الأساسية للكينونة البشرية، هو حديث عن الحقوق الأساسية والضرورية التي باحتجابها لا يمكن أن نتحدث عن الإنسان كما خلقه الله مكرما. فالتعليم والصحة وغيرها حقوق جوهرية تندرج في نطاق حق الحياة الكريمة.

وقد تناول الإمام “عبد السلام ياسين” رحمة الله عليه المسألة الاجتماعية من هذه الزاوية التي تحدثنا عنها؛ إذ اعتبر الخلل فيها مصدر كل الاختلالات، حيث يقول: “في المسألة الاجتماعية تكمن أسباب الزيغ والانحراف؛ في وجود الفقر في جانب والغنى في جانب، في تركب الظلم السياسي على التفاوت الطبقي وتولد هذا من ذاك وفي المسألة الاجتماعية تكمن الغيوم المظلمة التي تلبد سماء النفوس والعقول، فتتعتم الطريق وتتقتم”. كما أكد أن العدل في بعده الاجتماعي يمثل رأس المطالب؛ وأصَّل لرؤيته للقضية الاجتماعية بالحديث النبوي الذي رواه الامام البخاري عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا”. ويقول الإمام شارحا: “العدل والرخاء مقترنان حكمة، وقرانهما هنا الإصباح، وهو مظهر الاستقرار. فإنه لا صباح لمن لا أمن له من عذاب الله، ولا صباح لمن سهر خوفا أو جوعا أو مرضا. العدل والرخاء توأما خير، كما أن الظلم والخراب عديلا شر. في الحديث الشريف مطالب ثلاثة بتحصيلها يحل الرخاء بدل الشدة:

1- الأمن في السرب وهو الاستقرار الاجتماعي. وتأمل استعارة لفظة «سرب» الموحية بانسجام المجتمع كما ينسجم سرب الطيور في تحليقها. هدوء ونظام وحركة لطيفة.

2- العافية البدنية. وهي العناية الصحية، بزيادة معنى السلامة من كل…

تتمة المقال على الحوار على موقع ياسين نت.

طالع أيضا  سلمي: الفرصة مناسبة لإطلاق سراح المعتقلين