الفصل الثاني: (1983-1985) في سجن “لعلو” الرهيب؛ من المعاناة إلى صناعة الحرية

سنرى في هذا الفصل كيف تحول السجن من قبو لتذويب كرامة الإنسان وترذيل خلقه وتسفيه عقله، إلى فضاء للتحرر وصناعة الحرية وسط ركام من الاستعباد المقيت والاستبلاد المميت. فذووا الهمم المترهلة سرعان ما يسرق منهم السجن أحلامهم وينسيهم أفكارهم، ويرديهم كتلا تعيسة لا تصلح لشيء.

في بداية القرن الخامس عشر الهجري (1402ه-1981م) وجه الملك الحسن رسالة خاصة إلى قادة العالم الإسلامي وعلمائه، سماها بـــ”رسالة القرن”، ابتدأها بقوله: “الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. من عبد الله المعتمد على الله المتوكل عليه في سره ونجواه أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين. أعز الله أمره، ورفع قدره، وخلد في الصالحات ذكره إلى أبنائه المغاربة خصوصا، وإخوانهم المسلمين في جميع أقطار الأرض عموما”، ودعا فيها المسلمين إلى الوحدة والعدل والإحسان والشورى والنصيحة والإصلاح والتجديد، وذمَّ فيها الطبقية والعنصرية والفرقة، وأصَّل للدعوة الإسلامية من القرآن والحديث، كما دعا إلى فسح المجال لرجال الدعوة الإسلامية لتتجدد رسالة الإسلام،  حيث قال: “فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العالم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية، وأن يشملوهم بالرعاية الكافية، حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء”، وكتبت الرسالة كلها بنفس ديني من أولها إلى آخرها وكأنها خطبة جمعة مرتبة بدقة. ولا ننسى أن الملك أعد رسالته في ظرفٍ خاص جدا وهو نجاح الثورة الإيرانية ومحاولات تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي، ومنه المغرب الذي تأثر كثير من شبابه بصدى الثورة، ولا يبعد أن يكون كتبها لاعتلاء موجة “الصحوة الإسلامية” وسحب البساط من قيادات مزاحمة أو معارضة، وحتى لا يتكرر سيناريو نجاح الثورة التي أبهرت الكثير من العلماء والمثقفين والشباب في العالم، بل وأبهرت الفلاسفة أيضا.

طالع أيضا  المبادرة الحرة في الاقتصاد.. بواعث وضوابط

إن أخوف ما يخافه الحكام من شعوبهم تاريخيا هو ظهور شخصيات معارضة لها كاريزما حقيقية، يلتف الشعب من حولها، ويردد قولها ويقتنع بموقفها اليوم لينفذ أمرها غذا، وخاصة إذا كانت “شخصية الرجل شخصية فريدة، تفرض نفسها على الآخر” بسكينة روحانيتها قبل إقناع خطابها، وتجعله يعيد التفكير في ذاته وادعائاته.

تتمة المقال على موقع ياسين نت.