استعرضنا في الحلقة السابقة جوانب من مساهمة بلال في العمل الاجتماعي ومواساة الضعفاء وكيف كان بيته وجهة مقصودة للمحرومين، يهتم بهمومهم ويواسي جراحهم ولو -إن عز الوجد وشحت الوسائل- بالكلمة الطيبة والابتسامة الحانية، ويسعى في إسعاد الآخرين، مُزَوِّجا للعزَب والعزباء، وخاتِنا لطفل الفقير ونائبا عن الأب الأسير، وخادما للمسجد ورواده ولأهل الحي من جيرانه. ونعرض اليوم شهادات في أخلاقه وخصاله أزعم -في ظني وتقديري- أنها تذكر بالرعيل الأول من الرجال، الذين جعلناهم شعارا لسلسلتنا: “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه…”.

–       ثغر باسم ودعابة وانشراح

يصفه الأخ الكريم أحمد أبو الصواب وهو يتكلم عن بداية معرفته به فيقول:

“معرفتي به كانت بداية الثمانينيات. التقينا في الجلسات الإيمانية فأنست به وبدأت الصحبة فيما بيننا. ومن الأمور التي كنت أغرف منها وأنا أعاشره، تواضعه ودوام الابتسامة على ثغره، رغم المشاكل ورغم قلة موارده المادية.

“ابتسامته على محياه لا تنقطع، وكان صاحب دعابة ونكتة. كثيرا ما يحكي لنا نكات وطرائف وقعت له في صغره، أو أيام بداية الدعوة. وكان إذا غضب، ونادر جدا أن تراه غاضبا، وهذه من طرائفه، يتلفظ بكلمات بالفرنسية، ولن تسمع منه في غير حالة الغضب كلمة بالفرنسية. ولكنه سرعان ما يعود إلى حلمه وهدوئه.

“هذا هو سيدي إبراهيم الله يرحمه، ويوسع عليه مدخله ويلحقنا به غير مبدلين ولا مغيرين. والحمد لله رب العلمين”.

–       شظف عيش وقلة ذات اليد

سبحان الله، تصفه أخي أحمد بدوام الابتسامة على الثغر رغم المشاكل وقلة ذات اليد، أوضح لنا يرحمك الله:

“لبثت مدة، رغم معاشرتي الطويلة له في الحضر وفي السفر، قبل أن أعلم أن راتبه الشهري، وكان آنذاك معلما في المعهد الديني يدرس به اللغة الفرنسية، كان زهيدا. ومع ذلك، والحمد لله، كان قنوعا، تحسبه من تعففه غنيا أو على الأقل مستور الحال كما نقول بالدارجة، يأبى ويأنف من أن يعلم الإخوان حاله. تَوَكُّلُه على مولاه يغنيه عن الشكوى لغيره، ولو لأقرب الناس إليه”.

وبعد أبي الصواب، دعنا نستمع في مقطع من شهادة عبد الجبار عن هذا الجانب عند بلال. يقول في شهادته:

طالع أيضا  بلاء بلال في الدعوة قبل لُقِيّهِ الأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة الثانية)

“بلال، سبحان الله العظيم، رجل ظاهرة! يتحمل ويتحمل رغم ظروفه التي لا تسمح لأمثاله بأدنى تحرك نضالي أو موقف معارض لإرادة الحاكم وتصرفاته. كنت أعرف كم كان يتقاضى شهريا. راتبه هزيل لا يكفيه لسد الضروري من نفقات بيته أسبوعا واحدا. وما يتبقى من الأيام يعيش الفاقة وشظف العيش”.

وأنت يا سيد حسن بوغا أتؤكد هذا وكنت جاره يدخل دارك وتدخل داره؟

نعم! “بلال رحمه الله بحكم تدريسه في المعهد الإسلامي للغة الفرنسية كانت أجرته قليلة جدا، ومع ذلك لم تكن الفاقة تظهر عليه، لأنه كان متعففا وصابرا ومحتسبا، صبره هذا كان غذاؤه اليومي الذي يتغذى منه. لكن العجيب والذي لاحظته عن قرب، أنه كان يعيش بطعم البركة، البركة في الزوجة والبركة في الأولاد والبركة في المعاش”.

–       إيثار وإكرام الضيف “حتى ولو كانت رفيسة عمياء”

ورد في أثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “خصلتان يحبهما الله حسن الخلق والسخاء” 1، يحبهما الله في كل من اتصف بهما واجتمعتا فيه، فكيف إذا اجتمعتا في مُقِلٍّ؟ لا محالة أنه بتخلقه بهما يزداد خصلة أخرى ويستحق وصفا زائدا، إنه الإيثار، تلك الخصلة التي رفع الله بها ذكر الأنصار فقال عز من قائل في حقهم وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ 2، ومن أجل اتصافهم بها أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام أنهم: “شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ”، بل “وَلَوْلَا الهِجْرَةُ” لاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون “امْرءًا مِنَ الأنْصَارِ” 3. فهلا سألنا زهرة زوجه أن تخبرنا عن هذا الجانب عند بلال:

” مرة أعددنا لغذائنا وجبة الثريد (أو الرفيسة)، وهي تصنع بالمسمن مع الدجاج ومكونات أخرى. لكن لم يتوفر لنا دجاج فحضرناها بدونه. وحضر عندنا -لحضور لقاء طارئ لم يكن مبرمجا- ضيوف من الإخوان، فلما طال اللقاء وآن وقت الغذاء، لم نجد غيرها لنقدمه إليهم. استلذوها وأكلوها عن آخرها”.

وتعلق، لا متبرمة من معرة “الرفيسة بدون لحم”، ولا مستنكرة “أكل الضيفان طعام الصبيان”، ولكن مستبشرة فرحة أنها أطعمت ضيفان زوجها وأن طعامها راق لهم فتقول، يحفظها المولى:

طالع أيضا  بلال المسؤول التنظيمي (الحلقة السادسة)

“بكل صراحة الإخوان كانوا متواضعين ولا يعيبون طعاما يقدم لهم”.

وتستمر في نشوة فرحها تقص علينا معاملة زوجها للضيفان.

“تصوروا مرة أخرى زارنا إخوان، وكنا قد طبخنا لعشائنا الحساء المغربي المعروف “الحريرة”. ولم يكن عندي في بيتي سوى ثلاث “جبابن” (آنية يصب فيها الحساء) فقال لي بصوت عال يسمعونه “حطي الحريرة للإخوان (وكانوا ستة أو سبعة نفر) واستعملي الجبابن اللي عندك وكملي بـ”لغرارف ديال الميكا، مالهم معمرهم ما شربو في لغرارف ديال الميكا 4؟”.

وتعلق ثانية: “سبحان الله! ما أروع الإخوان، كم كان التواضع سائدا في علاقاتهم مع بعض، عندما يدخل عندك أخ تشعر وكأن عظيما من العظماء شرفك بالزيارة. وتحس بالبركة تدخل معه البيت. كان الصدق! كان الاحترام! سبحان الله”!

–       بذل وعطاء

قرأنا فوقه نتفا من شهادات رجلين وامرأة اعتبرتُ ما أدلوا به يدخل في موضوع هذه الحلقة الموسومة ب: “أخلاق وخصال تذكر بالرعيل الأول من الرجال” وأسألك يا حسن 5هل لك ما تضيفه من خصال جارك  بلال:

“لا شك أن بلالا الحبيب رحمة الله عليه أنفق كل ما لديه من الوسائل داخل الجماعة المباركة، وقتَه وجهدَه فكرَه وعزَّ شبابه، بدون تردد ولا ملل، محتضنا جامعا للقلوب، ليس له من هم سوى التقرب إلى الله ودعوة الناس للتوبة الجماعية والعمل الجماعي على تغيير ما بالنفس ثم تغيير المنكر وإزهاق الباطل وإحقاق الحق. يربي بالحال قبل المقال. من خلال تعامله يزرع فيك الحب للجماعة ورجالاتها والثقة فيهم. بقي هذا حاله حتى لقي ربه وقد فاز بربه، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، ومن مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته. نسأل الله تعالى أن يرحم سيدي بلال ويرحم جميع الإخوان الذين سبقونا إلى الدار الآخرة وأن يجعلهم من السعداء ويلحقنا بهم شهداء. أسأل الله تعالى ألا أكون قد بخست أخي الكريم فيما شهدت به عليه، وإذا وقع مني زلل فليعذرني بروحانيته كما عهدته في حياته. هذه شهادتي في الرجل فهل من مقتد؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

طالع أيضا  بلال يلتحق بالمشروع الدعوي للأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة الرابعة)

–       عزوف عن الدنيا ورضا وقناعة بما قسم الله

ونختم هذه الحلقة مع السي حسن إزرال، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الدار البيضاء وقد تعددت -حفظه الله- شهاداته في مُتَرْجَمِنَا في هذه السلسلة، ليحدثنا عن جانب آخر استرعى اهتمامه وهو يصاحب إبراهيم بلال:

“رجل يتعفف، رجل يزهد في الدنيا! رجل، وأي رجل…! بمعنى لا ترى لا في قسمات وجهه ولا من خلال ملبسه مظهر التقلل أو الزهادة، مع ما يعيشه من نقص مادي وخصاص، “يَحْسبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا”. لم يكن يشكو لأحد أو يومئ ولو مجرد إيماءة تشير إلى وضعه. يأنف من أن يلقى مساعدة من أحد، تأبى عليه نفسه ذلك. ولا يستشعر ذلك من الإخوة إلا الذين يخالطونه عن قرب وخاصة منهم من يترددون على بيته. فقد كان، لا ترى في قسمات وجهه إلا ما تراه من الزاهدين في الدنيا المعتمدين على فضل الله وكرمه، بشرهم على وجوههم فلا شكوى ولا كلام مما نسمعه ممن يتأسفون من واقع الفقر والخصاص ومن ضيق الرزق وشح الموارد، لا يفترون يَشْكُونَ الله إلى خلقه. لقد كان يتغذى من التحرك في سبيل الله ويستغني بالدعوة إلى الله، حتى وصل حبُّها إلى مشاش عظمه وملأ عليه جوانب عقله فلم يترك فيه فراغا لأمر غيرَها يفكر فيه أو يهتم بتدبيره. رحمه الله وأستغفر الله”.

الحلقة القادمة: بيت قل نظيره بين البيوت


[1] ذكره دون إسناد السبكي (الابن) في طبقات الشافعية الكبرى.
[2] الآية 9 من سورة الحشر.
[3] حديث: “الأنصار شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ وَلَوْلَا الهِجْرَةُ” لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأنْصَارِ” رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
[4] أطعمي الإخوة الحساء، استعملي الآنية الخزفية الثلاث التي بحوزتك واستعيني بأقداح البلاستيك الكبرى، أَوَ تظنين أنهم لم يسبق أن شربوا في أقداح من البلاستيك”؟
[5] “حسن بوغا” وقد تقدمت الإشارة إليه في شهادات سابقة.