تطرق الأستاذ عبد الله الشيباني عضو مجلس إرشاد الجماعة إلى موضوع الإتقان وتعلمه بالعرض والمدارسة، وذلك في حلقة جديدة من برنامج تذكرة الجمعة الذي يذاع كل أسبوع على قناة الشاهد الإلكترونية.

وفي أربعة محاور أحاط المتحدث بموضوعه، مبتدئاً بتعريف الإتقان، ثم النظر إلى حال الفرد والشعب والأمة قصد تشخيص أوضاعهم مع الإتقان، وأيضاً تطرق إلى المجالات التي يجب أن نتقن فيها، وأخيراً كيف نصل إلى الإتقان فرداً وجماعةً وشعباً.

ومن أجل تعريف الإتقان رجع المدرب إلى مشهد جلوس رسول الله صلى عليه وسلم ذات يوم في المسجد وحدوث حوار بينه وبين أحد المصلين، فـ: “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ. فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ -ثَلاثاً- فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ معك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً. وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا”.

ولعظمة هذا المشهد التدريبي التعليمي –يضيف الخبير- هناك رواية أخرى للإمام أحمد من حديث رِفاعة بن رافع الزُّرَقي “والذي بعثك بالحق لقد أجهدت نفسي فعلمني وأرِني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أردت أن تصلى فتوضأ فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم قم فإذا أتممت صلاتك على هذا فقد أتممتها، وما انتقصت من هذا من شيء فإنما تنقصه من صلاتك“. فعجيب حديث رسول الله وتعليمه وتدريبه.

ودعا الشيباني إلى النظر في الدروس والعلوم الجمة التي يحتوي عليها هذا الحديث من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإتقان كما نشاهد في هذا الحديث ورد ضمن الإحسان، والإحسان ورد كذلك في كتاب الله عز وجل مع المحبة، فالله عز وجل يقول: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ“، وقال سبحانه “وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ” وقال أيضاً “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” وقد وردت الآية الأخيرة في وصف الجنة ونعمها وإتقان إكرام الله عز وجل لأهل الجنة.

إذاً الإحسان يتضمن المعنى الأول وهو مستوى أعلى من الإيمان أي التقرب من الله عز وجل، وتضمن كذلك الإحسان المعنى المتعارف عليه وهو الخلق، خلق العطاء والبذل والإكرام وكل ما له علاقة بالمعاملة الطيبة مع الناس، والمعنى الذي يهمنا في هذه الحلقة وهو الإتقان.

فهذا هو موقع الإتقان من حديث رسول الله ومن كتاب الله عز وجل. ويسمى اليوم في العلوم الحديثة بالجودة، والإجادة والتجويد، والتقويم. وإذا أردنا تعريف الإتقان فهو إتمامٌ للعمل وإحكامٌ له وضبط وتدقيق في أموره.

وبخصوص حالنا مع الإتقان قال المتحدث إن الكثيرين لا يعرفون له طريقاً، بل وهناك من الأعمال من لا نقوم بها أصلا فما بالك بالإتقان.

أما المجالات التي يجب أن يحضر فيها الإتقان، فقد انطلق الشيباني من مجال العبادة، وأهم عبادة تقربنا إلى الله ويجب إتقانها هي الصلاة، فيجب أن نطمئن في ركوعها وفي سجودها وأن نعطي لكل حركة فيها حقها، وانظروا كيف كان رسول الله في الحديث يعيد ويؤكد ويكرر، ولا يسأم من ذلك. وأهم شيء في إتقان الصلاة هو الخشوع، لأنه هو الموصل للإحسان، الذي هو معنى آخر من معاني الإتقان.

وقبل الصلاة علينا أن نتقن الوضوء، فمن معاني إتقان الوضوء المنسية الدلك والفور وتقليل الماء المستعمل في الوضوء، فلن يسمى الوضوء وضوءً إذا لم يستجمع عناصر الإتقان. وفي القرآن نتكلم عن التجويد، بل علم تجويد قراءة القرآن، وهذه من الأمور الأساسية التي تجعلنا نترقى من إسلام إلى إيمان إلى إحسان.

ثم يقول الأستاذ الشيباني إن مجالات الإتقان تنسحب على كل ما يقوم به الواحد من أعمال في جميع المجالات، في أسرتك مع زوجتك وزوجك ومع أبنائك في تربيتهم، في عملك مع زملائك وفي مشاركتك في أعمال الفريق، في مشاركتك في المجتمع، في عملك الجمعوي أو السياسي… كل الأعمال التي نقوم بها يجب علينا أن نتقنها، أي أن نتمها ونضبطها ونتمها إتماماً كاملاً.