من أعالي التاريخ يتردد صدى شعار المساواة وتكافؤ الفرص والحرص على تجنب استغلال النفوذ، بل الورع من استغلال هذا النفوذ ولو بالمسؤولية التي تتعدى صاحب السلطة إلى كل من يدور ماديا أو معنويا في فلك سلطته. وفي نازلة مجسدة لهذا السياق، تَحمَّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مسؤوليته، فمنع ابنه من شبهة استغلال النفوذ المادي و المعنوي لسلطة الأب الحاكم. ورع بدا من حاكم عادل خوفا أن يكون الإبن قد استغل مكانة ابيه للظفر بامتياز ما في تنمية رأسماله على حساب عامة عامة الناس.والد حاكم سيتصرف مع ابنه بحزم ولو لم تكن هناك قرائن تدل على أي استغلال للنفوذ، لكن مسؤولية الحكم تقتضي الوضوح والمسؤولية، وتقديم الحاكم للنموذج الأمثل في احترام القيم والمبادئ والشرائع والحرص على المصلحة العامة، والسعي الدائم إلى تجفيف كل المنابع التي قد ينبجس منها الفساد.

فلنتابع النازلة كما يحكيها عبد الله بن عمر ابن أمير المؤمنين حيث يقول: اشتريت إبلا وارتجعتها إلى اليمن، فلما سَمنَت قدِمتُ ُبها قال : فدخل عمر بن الخطاب السوق فرأى إبلا سِمَانا فقال: لمن هذه؟ قيل: لعبد الله بن عمر (أي لابنه) قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ! بخ! فنادى يا ابن أمير المؤمنين! فجئته أسعى فقلت: مالك يا أمير المؤمنين قال: ما هذه الإبل؟ قلت: أنا اشتريتها وبعثت بها إلى الحِمَى أبتغي ما يبتغي المسلمون (أي فعلت ما يفعله أي مربي يستثمر في الماشية) فقال أمير المؤمنين لابنه مذكرا إياه بما قد يخفى عن إدراكه، أن الناس ربما إذا علموا أنها إبل ابن الحاكم يقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر أُغْدُ على رأس مالك (خذ رأس مالك)، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين (خزينة الدولة/المال العام).
ونحن نطل على هذه اللحظة التاريخية، حيث محاسبة الحاكم لذاته ولدائرة نفوذه قبل أن يحاسبه غيره، نستحضر كيف أن حكامنا قد وسعوا دائرة البنوة، وأصبحنا كلنا أبناء لهم بالتبني، لا لشيء إلا لتطبيق قاعدة “انت ومالك لأبيك”. باطرياركية تؤمن بالأبوية السياسية لتستحوذ على الثروة باسم الأبوة، وتفرض علينا الطاعة باسم البنوة! فمتى إذن ستعود إلى الأمة تلك الروح العمرية حتى تتصالح المسؤولية مع المحاسبة، وحتى تكون سدة الحكم نموذجا لامتثال القوانين وتبني القيم والأخلاق. لقد بلغنا في عصرنا هذا من الانحطاط والتردي السياسي مكانا سحيقا، أصبحت فيه حتى الجمادات التي تنتمي لدائرة السلطة تكتسي طابع القداسة، فما بالك بالأفراد المنتمين وراثة وقرابة أو خدمة للسلطة.
رحل العدل عن الأمة وبقيت الألقاب، فلا نحن نستحق لقب المؤمنين، لأننا لا نؤمن بكرامتنا وحقنا في حرية التعبير والمحاسبة، ولا نؤمن بحقنا في العدالة والمساواة، ولا نؤمن بحقنا في تقرير مصيرنا وتحمل مسؤوليتنا تجاه التردي المطرد في السياسة والتدبير. ولا الحكام يستحقون ألقابا لم تبق إلا رسومها بعدما محى التاريخ حقيقتها؛ فلا نستغرب إذن من وجود قانون ، ووجود شعب تحت قانون لم يوضع بإرادته، ووجود طبقة حاكمة فوق القانون الذي وضعته، فهي إذن تتصرف في مجالها المطلق المتعالي عن عالم الواجب والمسؤولية.
لقد جاء في الأثر: “كيفما تكونوا يولى عليكم”. وصدق الإمام علي كرم الله وجهه حين قال: “ما خانك الأمين , ولكنك ائتمنت الخائن”.

طالع أيضا  لماذا تتصعلك السلطة في مواجهة معارضيها؟