بقلم: عبد الرحيم ضرغام

مقدمة

من النعم التي أكرمنا الله بها في هذا الكون الفسيح، نعمة الذرية والتي تعتبر من هبة من الله عز وجل لمن شاء من عباده، مصداقا لقوله تعالى: لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم حكيم 1

الأولاد هبة الله

هذه النعمــــة العظمى تعد استمرارا لعمـل الإنسان بعد موته، فيما روي عن سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلـــى الله عليه وسلم قال “إذا مات الإنسان انقطع عملُه إلا من ثلاثــــة صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” 2.

“أول علم نستفيده من هذا الحديث الكريم. هو أن الولــــد الصالح من عمل الإنسان الولـــــد خـــلق الله وعمل الإنســـــان وأن الذرية –صالحة أو فاسدة – هــي من عمل الإنسان.” 3. بمعنى أن هذه الهبة الربانية تكون عملا صالحا، إذا تمت العناية بها عناية خاصة بعد توفيق الله عزو وجل طبعا؛ إذ إن عناية الله هي العمل الحــــاسم في هداية الأبناء وصلاحهم، كما تعد التنشئة الاجتماعية السليمة حجر الزاوية في تربية الأبناء بحيث يعود نفعها على الوالدين والمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء.

وكما هو معلوم أن نعمة الذرية الصالحة تكون حلما للأسرة الفتية؛ هذا الحلم المنشود يصبح حقيقة بفضل الله تعالى وكرمه سبحانه.

وشكرا لهذه النعمة العظيمة ومدحا لها يقول الشاعر:

 وإنما أولادنــــــا بيننــــــا.. أكبادنا تمشي على الأرض

 لوهبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني من الغمض 4

المعنى الروحي لقرة العين

من الأمور الجوهرية والتي يغفل عنها كثير من الناس أنهم يحصرون قرن العين في الزوجة والذرية الصالحتين، إذا إن هذا الفهم لا يجب أن يحجب عنا معنى أعم وأشمل يضاف إلى المعنى الأول ألا وهو قرة العين الروحية؛ فكم من شخص ليس له ذرية طينية لكن رزق بذرية روحية كان سببهم في التوبة والسلوك إلى الله تعالى فهدى الله على يديه خلقا كثيرا، وهكذا يصبح له أولاد يمكن تسميتهم مريدين، وبهذا الميلاد المعنوي يدخل المريد عالم الملكوت مع رفاقه وإخوته في الشيخ، إخوته في الله قال: “والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويودعونها غيرهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله” 5 هذه الأفواج من الصالحين أولاد بالمعنى الروحي.

طالع أيضا  قرة العين 13: توجيه من سورة الملك

حماية الأولاد بين المسؤولية الأبوية والعناية الربانية

ومما ينبغي الإشارة إليه أنه يمكن أن تتعرض الذرية للخــــطر، سواء كانت روحية أو طينية، فالروحية يتـــــهددها خطر الالتفـــــــات والزيغ عن الطريق الذي سطره المصحوب؛ أما الطينية فيعد التفكك الأسري والفراغ العاطفي أكبر خطر داهم يحذق بالأسرة، والتي تعتبر النواة الصلبة للمجتمع، فكيف يمكن الحفاظ على الوشيجة القلبية والعلاقة الأبوية الرحيمة اللتين تعتبران الغذاء العاطفي الرئيسي للأبناء؟ في ظل مجتمع يعيش تلاطم أمواج عاتية اجتمــاعية وأخلاقيـــــــة، والتي يواجهها أبناؤنا بصدور عارية ولا يملكون إلا دعوة أبوية مشفقـــــة حانية، في كنف مجتمع محاصر بكــم هائل من وســـائل الإعلام المختــــــلفة، والتي أصبحت تغــــزو منازلنــا دون استئذان، فيكف يمكن للوالدين الحفاظ على فلذة الكبد من المسخ الأخلاقي والثقــــافي؟ والذي يعد “من القتل بل أقساه أن نترك عوامل التضليل تغتالهم من بين أيدينا” 6. إذن من واجــــب الآباء استـفراغ الجهد في التربية؛ بمعنى اتخاذ جميع الأسباب الأرضية والتي تروم تحقيق الهدف الأسمى وهو ذرية تنعم بهديــــــة الترشيد، فتكون بذلك اضافة نوعية للمجتمع والأمة، هذا المجهود الجبار لن يتم بمعزل عن أهم الأسباب وهو الدعاء، أو بمعنى آخر السبب السماوي لا بد من استمطار المدد الإلهي والعناية الإلهية ليكرم أبناءنا بهداية التوفيق منه سبحانه؛ لأنه هو خالقنا والعالم بحالنا وبما يصلح دنيانا وآخرتنا.


[1] الآية ‘سورة الشورى45.46
[2] كتاب صحيح مسلم ص 1631.
[3] كتاب تنوير المؤمنات ص.218 للأستاذ عبد السلام ياسين.
[4] حطان بن المعلى الطائي. شاعر عاش في صدر الاسلام.
[5] كتاب الإحسان الجزء الأول ص 228. للأستاذ عبد السلام ياسين.
[6] وصيتي ص 13. للأستاذ عبد السلام ياسين