مع المرضى.. ثم مع المجانين!
وهو في معتكفه الاضطراري بمصحة الأمراض الصدرية بمراكش، استأنف الأستاذ ياسين تعميق النظر في رسالته التربوية والعلمية والسياسية، ذكرا وفكرا وتأليفا، حيث كان يأتيه صديقاه الأستاذ علي سقراط والأستاذ محمد مومن رحمهما الله بالكتب، ويضعها في صندوق خضرٍ جعل منه قِمَطره الذي يكتب عليه، بالإضافة إلى متابعته صدى الرسالة في الأوساط الاجتماعية من خلال ما يستقيه زواره من أخبار، كما ذكر بنفسه أنه استعاد استظهاره للقرآن الكريم الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب في صباه. 

وهو كذلك في خلوته فعلت الرسالةُ فعلها في المجتمع السياسي والثقافي، فأثارت الجميع وعلق عليها الجميع إن في مكتوباتهم أو بين الأصدقاء، أو في أنفسهم لمن بلغ بهم الرعب من المخزن مبلغه، ولا زلنا نصادف بين الفينة والأخرى أثرها في كتابات العلماء والمفكرين والسياسيين والأدباء، من حيث يستحيل تجاهل تلك الرسالة التي شكلت تحولا في مسار صاحبها الفكري قبل أن تحدث الأثر في الواقع. قال عنها حسن أوريد وهو أحد مستشاري الملك محمد السادس والناطق الرسمي باسم القصر الملكي سابقا، بأنها “تشكل عقد الميلاد السياسي لياسين”، وهو تأكيد منه لفكرة التحول، أو قل العروج من ذهنية الدروشة والإعراض عن الاهتمام بالشأن العام الذي تدار وتدبر فيه شؤون الأمة وتحدد سياساتها، إلى مستوى الحضور الإيجابي اليقظ والمسؤول.

ورغم التضييق عليه ومنعه من تلقي الكتب والأقلام، ووسط برنامجه المكثف فقد خطَّ رسالة ثانية باللغة الفرنسية إلى الملك (Mémoire à Sa Majesté le Roi) في أبريل من سنة 1977م، على سبيل الإلحاح في الدعوة والنصيحة، في التذكير بالمضامين نفسها التي ذكرها في” الإسلام أو الطوفان”،وتأكيدا للموقف ذاته. لذلك كان “يهابه الملك الراحل الحسن الثاني” كما يقول المفكر  والسفير الألماني الأسبق مراد هوفمان،  لأن “الرجل كان قويا في الحق يكره المداهنة والمهادنة”، ولا تثنيه عقابيل الخوف ولا يعطله الأذى الذي يلحقه عن تبليغ دعوته على كل حال وفي كل حين، وبمختلف الوسائل المشروعة، ولا يعبأ بخطاب التهديد الذي يُخوف ولا بخطاب التيئيس الذي يُقنط، يصانع ظرفه بما يناسب، وإذا تبين له الحق قصده وصدع به، وتفاءل بأثره وثمرته، ولا يلتفت لرضا الناس ولا لسخطهم، بل يشق طريقه وكأنه عبد مأمور.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -8-

عايش ظروف القهر في المستشفيات المغربية، وخبر سياسة الدولة في التعامل مع حاجة المواطن المريض، ورأى بعينه معاناة المرضى وقلة الدواء وانعدام النظافة وسوء المعاملة من الإدارة. وكان يحزُّ في نفسه أن يعاني الناس ويتألمون فيزداد إصراره على ضرورة التفكير في تغيير مجتمعي شامل يفك رقاب الشعب من أغلال السلطوية ولوازمها، ومن أعشاش الفساد وتوابعها، ويؤسس لتعاقد جديد يحفظ كرامة الإنسان من الإذلال والامتهان. والحلمُ بالتغيير مع التخطيط له والعمل من أجله هو تهمة الرجل الحقيقية في نظرنا. 

وانتهى زمن التَّجنين
بعد فشل أساليب استهداف العقل والفكر والكرامة بالرمي وسط المرضى والحماق حوالي ثلاث سنوات ونصف من غير محاكمة، وبعد التراجع عن قرار إعدامه، وخلال زيارة ملكية إلى مدينة مراكش أوحي إلى علمائها بحيلة فنية يتخلصون بها من عبء هذه المظلمة، وهي كتابة رسالة استعطاف باسمهم إلى الملك ليفرج عن الرجل، وكذلك كان، حيث أُفرج عن صاحب الرسالة النادرة، في ذكرى المولد النبوي 12 ربيع الأول 1398ه/ـ 20 فبراير 1978م، وعاد إلى أسرته ومحبيه بمراكش غانما، لم تنل من عزيمته وموقفه عقوبة الاحتجاز القسري بين المرضى والمجانين، بل بقي شامخا ثابتا، مسؤولا عن موقفه القوي والواضح، مواصلا عمله برحمة وحكمة، جاعلا من بيته مقرا لدعوته، بعد منعه من إلقاء الدروس بمسجد حيِّه. 

مضى الابتلاء وبقي الأثر، وقد أصبح لعنوان رسالته ومضمونها صدى كبيرا في الثقافة الإسلامية والعربية المعاصرة، سواء عند العلماء والمفكرين أو عند الإعلاميين والسياسيين، وقد كتب محمد عابد الجابري كلاما قريبا من تيمة العنوان “إسلام-طوفان” هو “ديموقراطية -طوفان”، إذ قال: “ومن حُسن حظنا، هنا في المغرب، وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى، أن الطوفان لم يحصل بعد، وأن كل شيء من حولنا يصرخ ويحذر إما الديمقراطية الحقيقية التي تضمن حقوق الضعفاء والكادحين وإما الطوفان المحقق”، واتخذ المفكر حاكم المطيري ثنائية “الحرية-الطوفان” عنوانا لكتابه “الحرية أو الطوفان”، كما كُتبت عشرات المقالات بعنوان يحاكي نفس العنوان، أتذكر منها مقال لصديقي السوسيولوجي المغربي إدريس أوهلال بعنوان “الحوار أو الطوفان”.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين …في التجربة السِّجنية للإمام -1-

خلال سنوات الاعتقال شاع في المجتمع المغربي وفي العالم الإسلامي، أن عالما من العلماء من الربانيين الصادقين، قال كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر وهو لا يخشى لوم أحد، وتحمل تبعات كلمته القوية؛ تبعات التجنين والتهديد والسجن، وتداول بعض مثقفي اليسار أن إسلاميا صوفيا وجه رسالة نقدية قوية إلى الملك. وسيقوم بتصفيته لا محالة. 

وبعد خروجه مُنع في ماي 1978 وبغير قانون من…. تتمة المقال على موقع ياسين نت.